الديمقراطيَّة الاقتصاديَّة

08/04/2025 08:08

بقلم .. طالب سعدون

 

هل للديمقراطية علاقة بالاقتصاد ومستوى معيشة الفرد وتقدم البلاد أم هي مجرد (إسقاط فرض) سياسي، كل أربع أو ست سنوات حسب نظام البلاد (لتبديل الوجوه) و(ليس النظام) أو لمسايرة (موضة العصر) ورفع (تهمة) الدكتاتورية، التي اصبحت سيفا يُلوح به ضد من لا يعجب بينما تغمض العيون وتغلق الافواه عن انظمة لا تعرف الديمقراطية وتحظرها حتى في اخبارها وتتوارث الحكم ابا عن جد.. الديمقراطية لا تعني شيئا إذا كانت (البطون فارغة والأفواه مفتوحة).

الفقر مشكلة انسانية عالمية ومعضلة كبيرة تواجه العالم، لكنه لم يحظ بتغطية سياسية وإعلامية عالمية متواصلة أيضا كما هي الديمقراطية، التي تملأ الصفحات والساعات التلفزيونية وتأثيره لا يقتصر على عدم كفاية دخل الفرد لمستوى معيشة لائق يحقق فيه كرامته الإنسانية فقط، بل يتعدى إلى جوانب سياسية لها انعكاسات سلبية على دوره المؤثر في صنع القرارات وفي التعبير عن الرأي والعملية الديمقراطية عموما وقد يضطر إلى أن يبيع 

صوته.

والعلاقة بين الديمقراطية والفقر علاقة تضاد وكأنهما خطان متوازيان لا يلتقيان. فهل يفكر بالديمقراطية أو بقيمة صوته في اختيار من يمثله في البرلمان والقرار السياسي، من لا يدخل في بيته دولاران أو دولار واحد في اليوم أو من انحدرت بهم الحال إلى حافة الجوع حسب تصنيفات المنظمات الدولية للفقر وما دونه.

وتصاعد نسبة الفقر في العالم في مقدمة المؤشرات المهمة، لعدم نجاح الأنظمة السياسية في أحداث التنمية المطلوبة لشعوبها.

الفقر لم يجعل صناديق الانتخابات لوحدها مؤشر النجاح أو هي (صك غفران) دائما بيد الحزب الحاكم أو الرئيس أو (النائب ) أو هي ( امتياز) خاص، دون مراجعة مستمرة لما يقدمه بعد النتائج في كسب الأصوات.. وليس الصندوق وحده يؤكد فقط (أنه الأقرب) لنبض الشعب، وتحسس همومه، أو تحقيق ما يريده..

وهذا الصندوق كذلك ليس وحده يمنح السلطات صفة الديمقراطية، والاستحقاق لتمثيل الشعب إلى الأبد، والى نهاية الدورة البرلمانية، بدون دفع (ثمن) الصوت، وما يعادل قيمته من البناء والتنمية والتطور وتأمين كل مستلزمات الحياة الكريمة للإنسان...أي أن تكون هناك رقابة مستمرة 

للأداء.

والمعارضة البرلمانية، إحدى وسائل الرقابة الفعالة في التجارب الديمقراطية. وقد رأينا كيف يكون رد الشعوب وغضبها، عندما يكون هناك تراجع أو عدم التزام بالبرامج، أو ظهور حالات فساد، واستغلال للمنصب لأغراض غير عامة.

 ما أسهل كسب الأصوات بمختلف الوعود والمغريات و(الإسقاطات) الذاتية، بوسائل ديمقراطية، أو خلافها، ولكن ما أصعب أن تحتفظ بها عندما لا تضمن الشعوب عائد أصواتها على الأرض. فالديمقراطية، ليست (صوتا عاليا)، ومقعدا (مريحا) في الحكومة أو البرلمان، بل في أن يكون هناك هدف ودور يؤكد أن الصوت ذهب لمستحقه، وانه أهل لهذه الصفة والمسؤولية، التي تحقق للشعب ما يريده، من تقدم ورفاهية وبناء وقوة وسيادة وأمن واستقلال.

أي أن الديمقراطية اليوم تعني أن في مقدمة اهدافها أن يكون من يذهب إليه الصوت له إسهامة واضحة في التنمية، وهي سمة العالم المتحضر والمتطور اليوم، وهي التي تعطي للمنصب قيمته المادية والاعتبارية.

فالإنجاز الديمقراطي هو ما يميز العالم المتطور عن العالم (النائم) الذي يتغنى بالانتخابات فقط، وكأنها (فتح الفتوح) ويطالب باستحقاقاتها من المناصب والامتيازات، ولكنه يصادر حق الشعوب في أصواتها المتمثل بعائدها من التنمية. وهذا العالم المسمى بالثالث يتباهى بالديمقراطية، وبانه منح شعوبه الحرية، وفتح الأفواه على آخرها لتقول ما تريد، وليس لتأكل ما تحتاجه. على حد تعبير أحد المفكرين.

وهناك من يتساءل ما قيمة الديمقراطية عندما تحمل شعوبها أعباء مالية وسياسية لعملية الانتخابات وللمناصب والامتيازات، وتجعلها تدور في دوامة الأزمات المستمرة ومنها التخلف والفقر وانعدام التنمية. العالم اليوم في تطور متسارع، والديمقراطية هي أيضا في تطور... والديمقراطية لا تقاس بالكلام في البرلمان أو الإعلام.. ولكن بالعمل، وبالتنمية المستدامة، وتلك هي الديمقراطية الاقتصادية.... هي من يعطي للعقل حريته في الإبداع والتطور، والتعبير عن المنهج الصحيح في الحكم والحياة، وتعطي للدول مكانتها..

ومن بين العلماء والمفكرين في السياسة من ذهب أبعد في (التنظير) فيرى أن العصر هو (للتنمية) حصرا، وإن عصر (الديمقراطية البرلمانية يقترب من نهايته)، ومنهم عالم السياسة (سيمون تورمي) في كتابه (نهاية السياسات النيابية) الذي صدر في لندن، وأثار جدلا وتساؤلات في علم السياسة عن دور الأحزاب في التنمية والبناء. وهذه الرؤية تعد انتقالة نوعية في دور الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني بان تكون لها برامج تنموية، ووسائل محددة لتحقيقها، ودور فيها، وهو الركن الأساس في الانتخابات وفي الرقابة الشعبية والحزبية والإعلامية أيضا، لأن الحقوق الاقتصادية للمواطن لا تقل أهمية عن حقوقه السياسية..

ومن هنا نجد أصحاب القرار في الكثير من الدول يعقدون لقاءات دورية منتظمة مع المثقفين والمفكرين والكتاب من مختلف التيارات والاتجاهات، لاستطلاع آرائهم في ما يحصل في البلاد من تطورات وأزمات وطرح مقترحات للتطور والتنمية والبناء، وتعقبها قرارات في ضوء ما يتمخض عن الحوارات من حقائق كانت غائبة عن صاحب القرار.

السياسة علم متطور، والديمقراطية أسلوب حياة هي متطورة أيضا. وليست افكارا (متحجرة)، لا تواكب روح العصر، ولا تستجيب لحاجاته المتغيرة.

والديمقراطية الاقتصادية ضرورة للدولة وللفرد والمجتمع والبلاد عموما.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026