بين الطائفية و المدنية أضعنا الهوية
14/04/2025 08:58
بقلم .. ضرغام علاوي
في المجتمعات التي لم تكتمل فيها شروط الدولة الحديثة، تبقى الهوية الوطنية هشّة، تتقاذفها أمواج الولاءات الضيقة، وتُختزل في هويات فرعية تُقدَّم على حساب الانتماء الأشمل. نحن، في العالم العربي – والعراق نموذجًا صارخًا – لم ننجُ من هذا المصير. فعلى مرّ العقود، لم يُبنَ مشروع وطني جامع، بل بُنيت مشاريع سلطة مغلَّفة بشعارات طائفية أو قومية أو حتى مدنية مفرَّغة من مضامينها.
الطائفية، حين تُستَخدم كأداة سياسية، تتحوّل من انتماء روحي أو اجتماعي إلى قيد حديدي. تغذّي الخوف، وتُشعِل العصبيات، وتُشَرعن المحاصصة، وتجعل من الدولة ساحة اقتسام لا فضاء انتماء. تصبح المواطنة مجرّد بطاقة تعريف، لا رابطًا قانونيًا أو وجدانيًا يجمع الناس في نسيج واحد.
لكن في المقابل، لم يكن البديل المطروح – أي المدنية – أكثر تماسكًا. ففي كثير من الأحيان، تم الترويج للمدنية بوصفها قطيعة مع التراث، أو تمرّدًا على الدين، أو ذوبانًا في النموذج الغربي دون تكييف. لم يتم طرح المدنية بوصفها عقدًا اجتماعيًا عادلًا يُنصف الجميع، بل صارت عند البعض مجرد شعار نخبوي أو معركة ضد الآخر المختلف، سواء أكان متدينًا، قبليًا، أو حتى صاحب مرجعية ثقافية مختلفة.
وهنا، ضاعت الهوية. لا نحن بقينا في انتمائنا التقليدي متوازنين، ولا نجحنا في صناعة هوية مدنية جامعة تحتضن هذا التنوع. صرنا كمن يمشي على حبلٍ مشدود فوق هوة، يرفض العودة إلى الوراء، لكنه لا يملك رؤية للمضي إلى الأمام.
الهوية الوطنية لا تُصنع في المختبرات ولا تُستورد من الخارج. إنها حصيلة عقد طويل من التفاعل بين الذاكرة الجماعية، والعدالة الاجتماعية، والتعليم، والثقافة، والسياسات المتوازنة. الهوية تتشكّل حين يشعر المواطن أن الدولة تحميه وتمنحه فرصًا متكافئة، بصرف النظر عن دينه أو قوميته أو عشيرته.
ولذا، فإن الخروج من هذا التيه يتطلّب شجاعة في التفكير، وصدقًا في الطرح، ومشروعًا سياسيًا متوازنًا لا يقدّس الهويات الفرعية ولا يطمسها. علينا أن نبني دولة تُعطي للطوائف مكانًا، لا أن تبني دولة على أساس الطوائف. وأن نصوغ مدنية واعية تحترم الإرث ولا تتقاطع معه، بل تدمجه في أفق أوسع من العدالة والتعدد والتعايش.
بين الطائفية والمدنية، ما زال هناك متسعٌ لإعادة إنتاج هوية جامعة. علينا فقط أن نتعلّم من التاريخ، ونفهم الحاضر، لنصنع مستقبلًا لا يكون ابنًا للخوف، بل وليدًا للوعي

