بوصلةٌ جديدة

17/04/2025 06:47

 طالب سعدون

 

هل يتحمل العالم أزمة جديدة؟ وهل بامكان الرئيس الامريكي دونالد ترامب أن يفتح حروبا في جبهات متعددة في وقت واحد (اقتصادية وعسكرية خاصة مع ايران بعد تهديدات متقابلة أفضت إلى التفاوض بينهما) تحمل العالم وليس الخزانة الامريكية والمواطن الأمريكي فقط اعباء اضافية ليس بمقدورهما تحملها بعد ازمات عديدة كانت لها نتائج خطيرة على الاقتصاد العالمي، ومنه الامريكي ايضا، منها جائحة كورونا، التي لا تزال تداعياتها كثيرة وثقيلة على العالم كارتفاع ديون الحكومات والتضخم ورفع أسعار الفائدة واحداث خلل في أسواق العمل والسفر وتغير في سلوك المستهلكين وغيرها من الاثار السلبية. انتهت الجائحة لكن العالم لا يزال يعيش تدعاياتها، وأخذت الدول تعيد تشكيل عافيتها التي سلبتها هذه الجائحة.  وحسب تقرير اللجنة غير الحزبية التابعة لمؤسسة التراث الامريكية تكبدت الولايات المتحدة لوحدها جراء كورونا خسائر بلغت 18 ترليون دولار، تفوق خسائرها في الحروب التي خاضتها على مدى تاريخها منذ بداية الحرب العالمية الاولى.. فقد انفقت 4 ترليونات دولار في الحرب العالمية الثانية و300 مليار دولار في الحرب العالمية الاولى والحرب الكورية (1950 - 1953) فيما بلغ اجمالي نفقات الحرب على فيتنام 738 مليار دولار والحرب على العراق وافغانستان (2.3) تريليون منذ عام 2001. 

واعقبت كورونا ازمات عسكرية واقتصادية وطبيعية كلفت امريكا مبالغ مهمة ايضا منها دعمها (لاسرائيل) في حربها العدوانية على غزة والحرب الروسية الاوكرانية وخسائرها في الحرائق والاعاصير، التي امتد بعضها إلى أوروبا واليابان، وربما كانت من اكبر الكوارث الطبيعية في تاريخ الولايات المتحدة والاعلى تكلفة فيها.

موجة من الاضطراب والفوضى سادت العالم بعد قرارات ترامب برفع الرسوم الجمركية انعكست في المقدمة على امريكا تمثلت بخسائر لشركاتها واسوقها المالية، تعد الاكبر منذ وباء كورونا.. فقد خسرت الاسهم الامريكية على سبيل المثال 8 ترليونات دولار في أول 52 يوما من حكم ترامب، وهذا رقم يعادل حجم اقتصادي المانيا وبريطانيا في عام مما اشعل المخاوف لدى الشركات الامريكية والأفراد.

إن الوضع الاقتصادي الامريكي والموقف الشعبي والردود العالمية جعلت خطوات ترامب غير موفقة ولها انعكسات سلبية على امريكا أولا التي اراد لها ان (تكون العظمى لوحدها)، خاصة أنه في بداية دورته الجديدة فغير المواجهة الاقتصادية، فبدلا من ان تكون مع العالم الذي خرج لتوه من ازمة كرونا إلى الصين بزيادة الرسوم الجمركية عليها فقط وتعليقها على الدول الاخرى، ويبدو انه وقع في خطـأ اخر ايضا ربما يكون اكثر خطورة لتجاهله قوة الصين وعلاقاتها التجارية والسياسية مع العالم.. فهي اليوم الاكثرتصديرا ولها علاقات تجارية نشطة مع اكثر من 150 اقتصادا في العالم، كان لها اثر في زيادة صادراتها عام 2024 لتسجل رقما قياسا كبيرا وزيادة في الناتج المحلي، كما تمتلك الصين اكبر احتياطي من النقد الاجنبي في العالم وزيادة رصيدها من الذهب، وهي مؤشرات تعكس ليس قوة افتصادها فقط بل قوة تأثيرها في الاقتصاد العالمي وقدرتها على تجاوز اثار جائحة كورونا بسرعة كبيرة.

يبدو ان الصين لم تفاجأ بخطوات ترامب، بل هي مستعدة لمجيئه مرة أخرى إلى الرئاسة واحتمال ان تدخل في حرب تجارية معه قد تتطور إلى ابعد من ذلك.

فهل كان ترامب متسرعا في خطواته، ولم يضع في حساباته تلك العوامل وقوة الصين البشرية العملاقة وتقدمها العلمي والتكنولوجي، وهي تصب في صالحها ناهيك عن تحالفاتها الدولية وموقف أوربا الجديد بعد خطوات ترامب ولها مصالحها ودورها ايضا وربما تؤدي تلك الخطوات إلى نتائج تتعدى حدود التجارة والمال وتعبر باثارها المدمرة امريكا إلى العالم أجمع، الذي حاول تغييره كما يريد بعقلية رجل مال واعمال والدخول بمغامرة غير محسوبة النتائج، قد تغير المعادلة السياسية بعد سيطرة الجمهوريين على الكونغرس لكي يمارس دوره في كبح ترامب وتسرعه بالمضي في خطواته الخطيرة.

العالم امام احتمالات كثيرة اذا ما استمر ترامب في سياسته الحالية. والارجح بعد تعليق هذه الخطوات على الدول وابقائها على الصين هو فشلها على الصين ايضا مهما اتبع من خطوات تكتيكية غير خافية على الصين وحلفائها والعالم، وبعكسه ستحل على العالم كارثة لم تحسب نتائجها مقدما.

فالى اين تتجه البوصلة الجديدة ؟ العالم ينتظر..

Follow Us:
All Right Reserved © 2026