قمتان
24/04/2025 08:04
بقلم .. طالب سعدون
دخل العالم (طورًا) جديدًا من الحروب لا تقل خطورتها عن الحرب العسكرية، وربما إذا ما تعقدت الأمور أن تفضي إليها. إنها الحرب التجارية (بعد أن كانت منافسة) بين قطبين كبيرين هما أمريكا والصين، التي استأنفت مع الحرب التجارية مفاوضاتها عام 2024 مع اليابان وكوريا الجنوبية، التي بدأت عام 2013 لعقد اتفاق تجارة حرة ثلاثي، وذلك في إطار قمة جمعت الرؤساء الثلاثة في سيئول.
ومن المفارقات الحسنة أن تأتي القمة العربية في بغداد الشهر المقبل مترافقة مع هذه الحرب التجارية، التي قد تتوسع لتكون حربًا (عالمية اقتصادية)، لكنها مؤجلة الآن لأشهر قليلة (90 يومًا). وهذا من حسن حظ المنطقة أيضًا بما فيها العرب، لكي يُعِدّوا العدة ويحثوا أنفسهم (إذا كانوا جادين في ذلك) ليكون لهم دور بين دول العالم يُحسب له حساب.
ولعل الحرب الاقتصادية تدفع القمة العربية إلى اتخاذ خطوات فعلية تعزز العمل المشترك والتعاون الاقتصادي، وتفعيل الاتفاقيات القديمة، والشروع بجديدة تناسب المرحلة لكي يُبعِدوا آثارها السلبية عنهم. القمة العربية في بغداد تحقق هدفين في آنٍ واحد.. عقد القمة العادية والقمة التنموية، أي مناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنهوض بمستوى العمل المشترك، ومجابهة التحديات التي تفرزها الحرب التجارية بين القطبين (أمريكا والصين). يمكن للقمة بشقيها (السياسي والتنموي) أن تحقق الهدفين معًا إذا ما توفرت الإرادة، لما لأعضائها من مميزات اقتصادية ومالية وتنموية واستثمارية كبيرة، في مقدمتها البنية التحتية، ومجالات الاستثمار الصناعي والزراعي والعلمي والتكنولوجي الواسعة، والأيدي العاملة الرخيصة، والأموال اللازمة، والأسواق الكبيرة، والقوانين التي تشجع على الاستثمار فيما بين أعضائها، وربما تدفع الآخرين من أوروبا وغيرها إلى الاستثمار في المنطقة، بعد أن أربكت الحرب التجارية الأمريكية الأسواق والشركات والأسهم، بما فيها الأمريكية، وخلقت نوعًا من النفور أو عدم الثقة بإجراءاتها في الاستثمار، لأن بعض المجالات الاستثمارية والصناعية بالذات تحتاج إلى سنوات لكي تستقر وتحقق عائدها، وهو ما لم يتوفر حاليًا في أمريكا، وربما تكون المنطقة العربية أرضية مناسبة لهذه المشاريع الاستثمارية إذا ما توفرت الأجواء المناسبة أيضًا.
وهذا يُحتِّم على القمة العربية المقبلة أن تناقش هذا الموضوع بجدية، وتخرج بقرارات تحقق التعاون والتضامن الأمني والاقتصادي المشترك، لخلق بيئة مناسبة لجذب الاستثمار والتنمية، وتفعيل قرارات السوق العربية المشتركة التي لم ترَ النور إلى الآن، رغم تأكيد القمم السابقة واجتماعات اللجان الاقتصادية والاجتماعية عليها.
قرارات قمم ولجان ومواثيق ومعاهدات كثيرة، رُكنت على رفوف النسيان، وشماعة الظروف الدولية الجديدة، وكأننا وحدنا في هذا الكوكب، تنطبق علينا (مقاييس العصر) في الخنوع، واستباحة الأراضي، وسرقة الثروات والسيادة، وهضم الحقوق، والموت. نملك من الثروات الطبيعية - وفي مقدمتها النفط - ما لم يملكه آخرون، ومع ذلك تعاني نسبة كبيرة، خاصة من الشباب، من البطالة.. وحسب استطلاع للأمم المتحدة، فإن المنطقة العربية سجلت معدل بطالة بنسبة 12 بالمائة عام 2022، وهو الأعلى في العالم (ضعف المعدل العالمي)، بمعدل (2.5) أسرع من المتوسط العالمي، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الفقر، وهي قابلة للزيادة.
وتحتاج المنطقة إلى (33.3) مليون فرصة عمل بحلول عام 2030، لكي تكون قادرة على استيعاب العدد الكبير من الشباب الذين يدخلون سوق العمل كل عام (ضعف فرص العمل)، حسب تقرير مؤسسة كارنيغي. وهذا الوضع يتطلب إعادة النظر في التعليم ومناهجه، وتطوير التعليم المهني والفني، والعمل مع القطاع الخاص وتشجيعه، ليكون قادرًا مع الدولة على تحقيق هذه المهمة في تلبية سوق العمل المتطور وطبيعته المتغيرة.
فهل باستطاعة التعليم بمختلف أنواعه تحقيق هذه المهمة بوضعه الحالي، إذ تتخرج أعداد هائلة من اختصاصات لا حصر لها بعيدة عن سوق العمل، وتضيف أعدادًا إضافية إلى نسب البطالة.؟ وهذا ما أشارت إليه منظمة اليونسيف في تقرير لها، بتأكيدها أن مناهج التعليم الحالية في المنطقة العربية لا تزود الشباب بالمهارات الكافية لتحقيق النجاح في اقتصاد اليوم. الحرب التجارية إذا كانت الآن في مرحلتها الباردة، تحتم على العرب والمنطقة عمومًا أن تناقش بجدية التنمية ومتطلباتها، بما فيها الاستثمار والتجارة البينية وسوق العمل والإنتاج، لتخرج بقرارات عملية بعيدة عن الروتينية.
وليس أنسب من القمة مكانًا لتحقيق هذا الهدف الاقتصادي والسياسي، وعندها تكون قمة حقيقية، وليست (إسقاط فرض سنوي) ومناسبة لإلقاء الخطب والكلمات وحسن الضيافة.

