الحرب دروس
05/07/2025 11:28
بقلم .. طالب سعدون
التصريحات المتبادلة اشعلت حرب الكلمات بين واشنطن وطهران وتل ابيب، وكأنه ليس هناك وقف اطلاق نار بل هدنة مؤقتة، فبينما هدد ترامب بضربة جديدة، ردت طهران بلهجة اقوى وتوعدت أمريكا بصفعة قوية اذا هاجمتها.
حرب الكلمات قد تشعل الحرب العسكرية وستكون الاكثر صعوبة خاصة على ترامب، لأنه يواجه معارضة في الداخل من الكونغرس والرأي العام لضربه ايران بقرار انفرادي، ومع ذلك يمكن أن يغامر مستغلا ضعف دور القانون الدولي في ضبط العلاقات الدولية امام سطوة القوة والانفراد الأميركي، ولان ترامب ونيتنياهو هما أحدا طرفي هذه الحرب، ولهما احلام واهداف لم تتحقق ودفعا دونها خسائر كبيرة فقد يعيدان الكرة مرة أخرى.
الاول يحلم بان يكون (سيد العالم) والثاني (امبراطور) المنطقة، وقد تمادى كثيرا وأخذه الطمع اكثر بعد ان جابت صواريخه ومرتزقته اكثر من مكان بمباركة اميركية وسكوت المنظمة الدولية، من غزة إلى سوريا إلى لبنان إلى اليمن واخيرا ايران، إلا أن حساباته لم تكن كما يريد فقد ردت ايران بقوة وتكبد خسائر كثيرة.
خرج الاثنان بنتيجة واحدة وهي أن أهدافهما لم تتحقق على الارض كما هي في مخيلتهما، ولذلك أوقف ترامب النار تخوفا من فشل يشبه فشل سبق أن تجرعته اميركا في أماكن أخرى.
لقد قوبلت ضربته بمعارضة واسعة بما في ذلك من دول أوروبا (عدا بريطانيا حليفته)، ومن داخل أميركا نفسها، من الحزب الجمهوري والكونغرس وحركة (اجعل اميركا عظيمة).
لن تنطلي الخدعة الاميركية مرة أخرى كما في المرة السابقة، عندما دخل في مفاوضات مع ايران لكي تطمئن بعدم شن الحرب عليها إلى حين انتهاء المفاوضات، وهي خدعة مكشوفة لأن (إسرائيل) لم تخف هدفها بضرب ايران، ولم تخف يوما نيتها باستهداف أية دولة تريد ان تمتلك السلاح النووي.
أليست هي من دمرت مفاعل تموز النووي العراقي وقصفت ليبيا، فمن يضمن انها لن تفعلها مع ايران حتى وان تنازلت عن برنامجها النووي؟.
لا يمكن للكيان الصهيوني ان يبدأ الحرب إن لم يحصل على موافقة اميركا ودعمها الكبير، لكنها خسرت كثيرا ونزفت من الدماء والخراب الكثير، وعمَّ الخوف داخلها وازدادت الهجرة إلى خارجها، فجاء وقف اطلاق النار من ترامب إنقاذا لها.
في هذه الحرب برهن ترامب أنه ليس خارجا عن النظام الدولي، أو يسعى لتعطيله فقط بل لتطويعه لأهدافه وكأنه اعلى سلطة منه.
ولذلك فانه وضع في هذه الحرب البداية لنهاية النظام الدولي وغابت الشرعية الدولية لتحل القوة محلها وبدأت تطرح تساؤلات كثيرة عن جدوى وجود المنظمة الدولية وفائدة مواثيقها ودستورها، بعد ان اصبح ترامب هو الآمر الناهي، يقرر متى يكون السلام ومتى تكون الحرب.
دعوات من أوروبا وغيرها إلى استئناف المفاوضات فهي المكان الوحيد لإنهاء هذه الازمة على حد قول رئيسة المفوضية الاوروبية (فون دير لاين)، وهو ما طالبت به اسبانيا وغيرها، ومنها من عرض الوساطة كإيطاليا. دروس كثيرة في هذه الحرب يجب أن توضع في الحساب منها ان الحروب الجديدة دخل فيها المال والسياسة والعلم والتكنولوجيا والخديعة والتضليل.
خدعة اخرى مارسها ترامب بإعلانه تأخير المشاركة في الحرب مدة اسبوعين واذا به يفاجئ العالم بضرب المواقع النووية الثلاثة (فوردو ونطنز واصفهان) بعد 48 ساعة.
انها حرب جديدة ليس في هدفها فقط بل في شكلها أيضا، حرب مختلفة في الادوات والادارة وحجم الخسائر، حرب تدار من بعد بالطائرات والمسيرات والصواريخ وبأحدث التكنولوجيا واستخدام التجسس بنطاق أوسع من الماضي وقد اشتهر فيه (الموساد الاسرائيلي) سابقا ولم ينفرد به الان وحده، وقصة الوزير الجاسوس الاسرائيلي (غونين سيغيف) وزير الطاقة الاسبق معروفة ولها دلالات كثيرة.
تفويت الفرصة على الكيان واميركا في ما يخططان للمنطقة تقتضي من دولها بناء جبهة داخلية قوية.
من الضروري استخلاص الدروس من هذه الحرب، منها أن المال سلاح مهم في التجسس واصطياد العملاء والاختراق وقرأنا كيف امتد إلى مفاصل دول ومجتمعات بمسميات كثيرة، ووصل في هذه الحرب إلى اعلى مراحله وضرورة تعزيز المناعة الداخلية امام عدو انتهك الاعراف والقوانين الدولية وتجرد من الاخلاق والقيم.
ما أصعب البناء، وما أسهل أن يدمر بصاروخ إن لم تكن هناك قوة تحميه، وما أسهل إعادته اذا ما استقر العلم في العقول وتضافرت معه السواعد.
بناء القوة شرط اساسي لاستمرار وتيرة البناء في تصاعد والحفاظ على الشعوب من الاختراق وتجنيد العملاء بسبب الفقر أو البطالة أو الاثنين معا، أو أي سبب اخر، وهنا يأتي دور التنمية التي تتصدر كل البرامج والمشاريع.

