محطات مضيئة فـي كتاب

14/08/2025 09:59


بقلم .. أحمد صبري
فتح السياسي العراقي عوني القلمجي عينه على بيئة قوميَّة عروبيَّة في كرخ بغداد ورموزها وأحداثها، كانت محطَّات في تكوينه السياسي الَّتي تواصلت فصولًا تحوَّل بموجبها إلى شاهد عيان على تفاصيلها، وضعته في قلب الحدث وتطوراته الَّتي كان يشهدها العراق في ماضيات الزمان. والقلمجي طبقًا لهذا الدَّوْر أدَّى وسلَّط الضوء على تفاصيله في كِتابه الَّذي صدر في عمَّان قَبل أيام (محطَّات في تاريخ العراق الحديث) عايش أحداثها طيلة (65) عامًا، وكان أحد رموز التيَّار القومي العربي في العراق وامتداده العربي. وكِتاب القلمجي يحتوي على نَحْوِ (900) صفحة، وهي محطَّات مضيئة توقَّف عِندَما مرَّ بها العراق على مدى السنوات الماضية.
والقلمجي من عائلة سياسيَّة عروبيَّة، تنقَّل بَيْنَ أهمِّ الأحزاب والقوى السياسيَّة في العراق من حزب الاستقلال إلى الحركة الاشتراكيَّة العربيَّة، وهي من نتاج حركة القوميِّين العرب، حاول أن يُلقي الضوء على أبرز المتغيرات الَّتي شهدها العراق كشاهد عيان وأسباب تراجع المدِّ القومي العربي في مواجهة الأحداث الَّتي كانت تعصف بالعراق والمنطقة. وتنبع أهميَّة الكِتاب من كونه تحوَّل إلى مرجع سياسي لتوثيق حقبة مهمَّة بتاريخ العراق قَبل وبعد احتلاله.. يعتقد المؤلِّف أنَّ الاستقطاب السياسي الَّذي شهده العراق في حقيقته كان استقطابًا لا يستند إلى قاعدة فكريَّة، وإنَّما كان ردَّة فعل منفعلة بَيْنَ القوى القوميَّة والشيوعيِّين أدخل العراق في أتون مطبَّات لم يتخلص من ارتداداتها كرستْ في المُجتمع طائفيًّا لا سِيَّما بعد احتلال العراق.
ويتوقف المؤلِّف عِندَ الإشكاليات الَّتي طبعتِ الحراك السياسي الَّذي شهده العراق قُبيل ثورة الـ(17) من يوليو ـ تموز 1968 الَّتي مكَّنت حزب البعث العربي الاشتراكي من استلام السُّلطة السياسيَّة والخلافات الَّتي كانت تطبع الحياة السياسيَّة وصفها القلمجي بأنَّها كانت نتيجة الموروث السياسي للصِّراعات الَّتي أعقبته الَّتي كانت تشهدها السَّاحة السياسيَّة حينذاك. ويسجّل للقلمجي سعيه لتوثيقِ مراحله هي من أشد معطيات الأحداث السياسيَّة والمحرِّكين لاتجاهاتها في زمن تناقضتِ الروايات حَوْلَ فصولها منذُ تأسيس دَولة العراق عام 1921 وما تلاها من تطورات رافضة للوجود البريطاني في العراق الَّذي أنهته حركة الـ(14) من يوليو ـ تموز عام 1958.
وفي مقدِّمة كِتابه يُشير القلمجي إلى أنَّ التاريخ يُمثِّل مستودعًا للمعرفة والحكمة، كما هو مستودع للتجارب الَّتي تنير الطريق أمام الحاضر والمستقبل من غير أن يغفل أنَّ تداعيات وارتدادات هذا المستودع استهدفت الجميع عمَّا حدَث ويحدث للعراق في شتَّى المجالات. وخصَّص المؤلِّف حيزًا كبيرًا للأحداث الَّتي شهدها العراق قَبل الاحتلال وبعده في محاولة لرصد محركاتها على مسار الحدث الَّذي أدَّى إلى احتلال العراق عام 2003 الَّذي وصفَه القلمجي بأنَّه كان جريمة وضعت العراق في أتون الفرقة وغياب الرُّؤية الأميركيَّة في فعلتها الَّتي كانت خارج إرادة المُجتمع الدولي، كان القلمجي سباقًا في مقاومتها ورفض نتائجها الكارثيَّة الَّتي وضعتِ العراق في غير المكان الَّذي يُمكِن أن يكُونَ عَلَيْه. وحاول مؤلِّف الكِتاب أن يحشد القوى السياسيَّة العراقيَّة وفْقَ رؤية تستند إلى موقف سياسي وطني واقعي لإخراج العراق من محنته رغم مصاعبه، إلَّا أنَّه يرَى في هذا التحشيد ووضوح الرُّؤية كفيلًا برؤية عراق مستقلّ وفاعل في محيطه وسنَد لأُمَّته وخالٍ من التبعيَّة للغير وإملاءات الخارج إذا توافرت الإرادة السياسيَّة ومفاعيل القوى المناهضة لمشروع الاحتلال.

كاتب عراقي

Follow Us:
All Right Reserved © 2026