سفراء المحاصصة بين الرأي الرسمي والرأي العام

27/08/2025 06:49

( بقلم : د. ليث شبر )

شاهدتُ مقطعًا متداولًا لأحد السفراء الجدد وهو يحتفل بتنصيبه في مشهد أقرب إلى المهرجان الشعبي منه إلى وقار العمل الدبلوماسي. بدا وكأن المنصب غنيمة شخصية أو صفقة تُوزّع على جمهور يهتف له لا لخبراته ولا لمسيرته المهنية، بل لكونه جزءًا من منظومة المحاصصة التي أنتجت هذه القائمة المثيرة للجدل.

منذ 2003 ظلّ ملف اختيار السفراء مثار جدل واسع، ليس بسبب نقص الكفاءات العراقية، بل لأن المحاصصة السياسية تحوّلت إلى قاعدة راسخة تُقاس بها التوازنات داخل الدولة. وزارة الخارجية بذلت جهودًا واضحة لتطوير صورتها وآليات عملها، وقد لمسنا محاولات جادة لعدد من الوزراء والكوادر للنهوض بالسلك الدبلوماسي، لكن جدار المحاصصة كان حاضرًا في كل مرة ليوقف أي مسعى للإصلاح الحقيقي.

القائمة الأخيرة كشفت عن أسماء بلا تاريخ دبلوماسي أو خبرة، وبعضها لا يمتلك من مؤهلات التمثيل الخارجي سوى قربه من حزب أو قرابته من زعيم. وهنا تتجلى المفارقة: ففي الوقت الذي يُفترض بالسفير أن يكون واجهة سيادية تعكس صورة العراق أمام العالم، يُقدَّم للعراقيين والعالم شخصيات تفتقر لأبسط الشروط المتعارف عليها دوليًا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن العراق ما زال يمتلك سفراء أكفاء يُشار إليهم بالبنان، نجحوا في تمثيل بلادهم ورفعوا اسمها في المحافل الدولية. وقد تشرفتُ بمعرفة عدد منهم عن قرب، وأدركت أن لدينا طاقات حقيقية قادرة على أن تُحدث فرقًا. لكن مشكلتنا أننا دوما نُركز على السلبيات ونهمل النجاحات، فنُضعف بذلك صورتنا ونفقد الثقة.

أما الرأي الرسمي فقد عدّ أن التصويت سيسهم في تعزيز الحضور الدبلوماسي للعراق في الساحة الدولية، وتوسيع شبكة العلاقات مع دول العالم، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى حماية المصالح الوطنية العليا وخدمة أبناء الجالية العراقية في الخارج.. لكن الحقيقة أن جلسة البرلمان التي صوّتت على القائمة جوبهت برفض كثير من النواب، وشابها لغط واسع حول عدم اكتمال النصاب القانوني، بل ولم تُمنح الفرصة الكافية للنواب للاطلاع على السير الذاتية للمُرشحين. والأكثر دلالة أن تمريرها جرى بضغط مباشر من رؤساء الكتل، ما يضع شرعية التصويت موضع شك، ويشير بوضوح إلى إمكانية الطعن بها أمام المحكمة الاتحادية العليا.

في المقابل، يرى الرأي الشعبي والنخبوي أن ما جرى لا يمثل الدولة بقدر ما يمثل صفقة سياسية فجّة كرّست المحاصصة بصورة أكثر وضوحًا. هذه الفجوة العميقة بين خطاب السلطة وإحساس المجتمع تُضعف شرعية القرار وتُعمّق انعدام الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ولأن التصويت أصبح أمرًا واقعًا، فإن المقترح العملي هو أن تتبنى الحكومة سياسة صارمة لتطوير مهارات هؤلاء الذين وصلوا بالمحاصصة لا بالكفاءة، عبر برنامج تدريبي وطني مدروس يحوّل بعضهم من عبء إلى قيمة، ومن صفقة سياسية إلى واجهة يمكن احترامها. عندها فقط يمكن أن نعيد الاعتبار للدبلوماسية العراقية، ولو من ثغرة وُلدت من رحم المحاصصة نفسها.
والعراق من وراء القصد.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026