الشيعة في العراق.. وإيران (الاستيطان الخفي)

09/09/2025 08:57

( بقلم : د. ليث شبر )

لم تكن العلاقة بين العراق وإيران يومًا طبيعية، حتى حين جمع المذهب بين شيعة البلدين. فإيران، بعقلها السياسي، تنظر إلى العراق على أنه امتداد لإمبراطوريتها التاريخية، بينما يرى العراق في إيران جارًا متربصًا لا يكف عن محاولات التمدّد. وهكذا ظلّت الجغرافيا مسرحًا للتوتر: حدود طويلة متنازع عليها، أنهار ومياه مشتركة تحولت إلى أوراق ضغط، وموروث تاريخي مشحون بالادعاءات والدماء.

قبل 2003، لم يكن هناك انسجام بين بغداد وطهران، لا مع الشاه ولا مع الخميني. مع الشاه كانت النزاعات حول شط العرب والمياه والمنافذ الحدودية، ومع الخميني بلغت العلاقات ذروة السوء. الرجل الذي عاش منفيًا في النجف عاد ليجلس على عرش طهران رافعًا شعار "تصدير الثورة الإسلامية" إلى العراق أولًا، بينما صدام في بغداد رفع شعار "القومية العربية" ليجعل من العراق مركزًا لوحدة متخيلة. وكلاهما يرفع شعار الثورة لكن الأول متطرف دينيًا، والثاني متطرف قوميًا، وكلاهما تحرك تحت عيون الخارج وتخطيط العواصم الكبرى. فكانت النتيجة حربًا مدمّرة (1980–1988) أُريق فيها دم الشيعة على ضفتي الحدود، وقُطّعت أوصال المجتمعين باسم شعارات لم تكن يومًا نابعة من إرادة الناس.

ما بعد 2003 تغيّر المشهد. سقط النظام العراقي، فدخلت إيران إلى قلب المشهد السياسي عبر أحزاب وقوى شيعية ارتبطت بها. لكنها لم تتعامل مع شيعة العراق كإخوة في الدين، بل كأدوات في مشروع نفوذ إمبراطوري. هنا تجلّى ما يمكن أن نسميه(( الاستيطان الخفي )): ليس استيطانًا عسكريًا مكشوفًا كما في حالات الاحتلال، بل تغلغل ناعم عبر الولاء المذهبي، والسيطرة السياسية، والهيمنة الاقتصادية، وتغيير البنية الاجتماعية تدريجيًا.
 رفعت طهران شعار نصرة المستضعفين وشعار وحدة المقاومة وأسست فصائل مسلحة وهي في الحقيقة تحمي مصالحها، فيما التشيع العراقي بعمقه النجفي ظل مختلفًا، رافضًا أن يُختزل في ولاية الفقيه. فالنجف لم تنصهر في قم، بل بقيت متمسكة بهويتها الوطنية وبقراءتها المستقلة للفقه والسياسة على الرغم من التهديدات والضغوطات الإيرانية.

وهنا يبرز التناقض الأكبر: شيعة العراق يعيشون بين هويتين؛ هوية عراقية تسعى لبناء دولة وطنية، وهوية عابرة للحدود تريدهم وقودًا لمشروع خارجي. وهذه الازدواجية، إذا لم تُحسم، ستجعل العراق غارقًا أكثر في الاستيطان الخفي الذي يتآكل عبره استقلاله من الداخل دون أن يُدرك كثيرون خطورته.

النتيجة أن العلاقة بين شيعة العراق وإيران لم تكن يومًا علاقة وحدة طبيعية، بل علاقة صراع وتوظيف. فإيران لم تدخل كجار أو حليف وإن تزيت بذلك، بل عبر استيطان خفي يستغل الانقسام المذهبي وإثارة النعرات الطائفية وتشكيل سلطات مسلحة خارج سلطة الدولة كوسيلة للهيمنة.

هذا المقال يضع الحقيقة عارية أمام الجميع: الخلاص لن يأتي من طهران ولا من شعارات الماضي. شيعة العراق، بما يحملونه من ثقل سكاني وسياسي وتاريخي، هم من يقررون. إمّا أن يظلوا رهائن لهذا الاستيطان، أو أن يتحولوا إلى قاطرة وطنية تبني دولة سيادية حديثة.

أما ندائي الوطني الصادق لهم فأقول ؛ يا شيعة العراق: أنتم لستم ساحةً لأحد، ولا جسرًا لمشاريع الآخرين. أنتم عمود العراق وركيزته، وعليكم أن تختاروا بين أن تبقوا أدوات في استيطان خفي يتسلل إلى دولتكم ومجتمعكم، أو أن تكونوا بناة دولة وطنية ذكية تحفظ هويتكم وسيادتكم وتعيد للعراق دوره الحقيقي. إن مسؤوليتكم اليوم تاريخية، ولن يغفرها الجيل القادم إن فوّتّموها.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026