الموت فـي غزة.. قراءات نقدية

10/09/2025 09:03

بقلم .. احمد صبري

في واحدة من قصائده الَّتي كرَّسها الشاعر الكبير حميد سعيد (الموت في غزَّة) في مقاربة بَيْنَ شاعر لا ينقل مأساة غزَّة، وإنَّما يشارك في بَلْورة رؤية شعريَّة تتجاوز الصمت الَّذي غدا عنوانًا لأكثر من نص شعري ووجداني هو سياسي ورمزي يعيد تأطير مسيرة شَعب يقاوم ولن يركع؛ لأنَّها نجمة لا تأفل.
وغزَّة ـ كما يراها الشاعر حميد سعيد ـ لم تخضع للموت؛ لكونها ليست مكانًا على الخريطة، وإنَّما تحولت إلى مرآة لكرامة مدينة غدَتْ عصيَّة على أعدائها.
وحميد سعيد لا يملي على القارئ موقفًا كما يرى أحد زملائه في المقدمة، لكنَّه يفتح أمامه مشهدًا وجدانيًّا تتصارع في ثنائيَّة الحياة والموت:
كأن الموت صياد جبان
يقنص الأفراخ في أعشاشها
ويفر حين يرى الصقور
كما جاء في قصيدة (الموت في غزَّة).. وهكذا تتحول غزَّة من ضحيَّة إلى أُم كونيَّة تطعم الجياع وتدفن الشهداء، ثم تنهض من جديد تعلن للعالم أجمع أنَّها حيَّة وتنبض بالحياة:
للموت أجنحة
وأنت قريبة منها ومنه
قد تطيلين الإقامة بَيْنَ مقبرة وأخرى
تدخلين شواهد الموتى
إلى ما يحفظ التاريخ منها
وهكذا تتواصل مأساة الشاعر وتوقه للحُريَّة الَّتي عاش فيها ليجده محاصرًا بالأسئلة والانهيارات من أمامه الَّتي يظن الشاعر أنَّه سيحدث فيما يصور الموت يجف حَوْلَ المدينة المنكوبة كأنَّه يطير بجناح أسود فوق رؤوس أهلها:
ستعود غزَّة مرة أخرى إليها
نقرأ الآتي
سنعرف أن من قتلوا
مضوا
لكن غزَّة سوف تمضي
كما كانت تظل هناك
في مقدمة قصيدة حميد سعيد، نقف على تجربة شعريَّة استثنائيَّة تستمد مضمونها من المأساة الفلسطينيَّة جلالها المأساوي، وتستعيد من رحم الكارثة معنى المقاومة وخصوبة الحياة.
والموت في غزَّة ليس مجرد استجابة وجدانيَّة عابرة، بل شهادة شعريَّة تختلط فيها الأسطورة بالواقع ويتقاطع فيها الدم بالرمز؛ لتغدو غزَّة أكثر من جغرافيَّة محاصرة، إنَّها أيقونة الكرامة الَّتي تتجدد في قلب الموت، كما يصفها الشاعر حميد سعيد في قصيدته.
وفي معرض وصفه للقصيدة ودلالاتها، فإنَّ حميد سعيد لا يجيب، لكنَّه يقدِّم شهادة ببلاغة عالية، ويترك للقارئ التوقف عند مضامينها، ويرسم على جدار الذاكرة نقشًا لا يمحوه الزمن، لتظلَّ غزَّة حاضرة في القصيدة كما في الحياة.
وبعد غياب، يتقدم الشاعر حميد سعيد نَحْوَ الشعر، فإنَّ اللغة تستقبل خطاه بوصفه القادم إلى الرماد لا يعود كما غاب، بل يعود وفي يده جمر من التجربة، وركام من الرؤية.. وهكذا عاد حميد سعيد بعد سنوات العزلة النبيلة، ففي قصيدته (الموت في غزَّة) يخرج حميد سعيد من صومعته ليكون شاهدًا على فصل دم من فصول التاريخ الفلسطيني.
وبالمقاربة يعود حميد سعيد إلى الشعر، بل يعود ليقيم فيه مقامًا آخر تتساوى فيه اللغة مع الألم، وتغدو القصيدة تابوتًا يحمل موتى غزَّة إلى ضمير العالم أو جرحًا مفتوحًا، يذكِّرنا كُلَّما حاولنا النسيان أنَّ هناك شَعبًا يموت كي لا يموت.
نعم، سيبقى نهر الشعر متدفقًا، ويظل الشاعر مغردًا مثل طائر محلِّق للموت سطوته، ولكن الشعر يستمد وهجه من نبض الحياة الَّتي يدافع عنها.


كاتب عراقي

Follow Us:
All Right Reserved © 2026