المالكي والسوداني.. قراءة خارج المألوف
14/09/2025 06:59
( بقلم : د. ليث شبر )
أن تحاول أن تكتب عن السيد نوري المالكي والسيد محمد شياع السوداني في مقال واحد لا يتجاوز العشرين سطرًا، هو أمر محفوف بالصعوبة والتعقيد. ليس لأن الهدف هو المقارنة بين الرجلين أو المفاضلة بينهما، فهذا ليس مقصدي ولا منهجي، وإنما لأن مجرد ذكر اسميهما معًا يثير في الساحة العراقية عواصف من الانفعال، ويستحضر تراكمات من السياسات والإخفاقات والتبعية والنتائج التي عاشها الناس على مدى عقدين من الزمن.
أكتب هذه السطور من علاقة طيبة وثقة واحترام تجمعني بكليهما، فالأول يناديني بابن الزهرة وامتدت اللقاءات بيننا لأكثر من 17 عاما .. بينما الثاني دعاني للعمل معه أكثر من مرة ولتولي المسؤولية في تيار الفراتين وبقيت اللقاءات من وقت لآخر . لكن الأساس في القراءة هنا أن أبتعد عن صندوق الكراهية والعداوات والأحقاد الذي استقر في قلوب كثير من العراقيين وهم يتعاملون مع السياسة ورجالاتها.
وأعلم أن هذه القراءة لن تعجب كثيرين، لأن المجتمع العراقي بات موزعًا على وديان سياسية متقابلة، كل حزب فيها فرح بما لديه وناقِم على غيره، حتى صار الحوار الموضوعي ضربًا من الترف ومدعاة للسخرية.
المالكي يجيء أولًا لأنه سبق السوداني في المعارضة والحكم، ولأنه الوحيد في عراق ما بعد 2003 الذي تسنم رئاسة الوزراء لدورتين ومازال يسعى إلى الثالثة. والحق أن تجربة المالكي هي في جوهرها تجربة النظام نفسه، فقد خرج من حزب الدعوة الذي اشتهر قبل 2003 لا ببرنامجه أو قاعدته الشعبية، وإنما لأنه كان التهمة الجاهزة التي تُلصق بكل معارض أو مشتبه به.
وحين جاء زمن الحكم ظهر أن الحزب بلا قاعدة جماهيرية حقيقية، وأن حضوره إنما صُنع من خلال أشخاص بعينهم، وفي مقدمتهم المالكي بعد تسنمه السلطة. ولولا شخصية المالكي وإدارته لكان الحزب قد تلاشى من المشهد السياسي العراقي وأصبح حاله حال المجلس الأعلى اليوم ، ولولا آليات النظام الحالية وما فرضته من موازين معقدة، لكان الرجل ربما رئيسًا للجمهورية لعدة ولايات، بدل أن يُحاصر في رئاسة الوزراء ويُدفع إلى المواجهة مع كل خصومه.
أما السوداني، ابن العمارة، فقد بدأ من داخل دولة القانون، لكنه لم يبقَ أسيرًا لحزب الدعوة. بل رسم لنفسه خطًا آخر بتأسيسه تيار الفراتين، جعل فيه الخدمة العامة مدخلًا إلى السياسة، فبرز في وزارة العمل ولقاءاته المباشرة مع الناس لحل مشاكلهم ثم في موقعه كمعارض شرس للسلطة داخل البرلمان.
وقد أتاح له هذا المسار بعد أن مضى عليه في ولايته الحالية أن يرفع الخمسة آلاف صوت قبل الولاية إلى مايقارب الخمسمئة ألف صوت، وهو انتقال لا يحققه إلا من يمتلك قدرة على التقاط حاجات الناس وتحويلها إلى رصيد سياسي مما يقربه إلى الولاية الثانية.
ومع ذلك، يبقى السوداني في جوهره امتدادًا لمسار المالكي، حتى وإن بدا اليوم في موقع المنافسة الشديدة معه على السلطة. فكلاهما، في عمقهما الإنساني، يتسمان بالخلق الطيب والتواضع وسياسيا بالمدنية في المزاج والبراغماتية في الصفقات والسعي الحثيث لاحتكار السلطة أو تجديد الولاية، ولولا ما تمور به الساحة من صراعات وضغوط وتوازنات، وما تفرضه ماكينة السلطة من تشويه وتنافس مشؤوم لوجدتهما اليوم في قائمة واحدة.
غير أن الخلاصة التي لا بد أن نقف عندها، هي أن مشكلتنا في العراق لا تكمن في المالكي أو السوداني ولا في غيرهما من الأسماء التي تسنمت المسؤولية، وإنما في آليات إنتاج السلطة ذاتها. فهذه الآليات صممت بحيث تُضخّم الوجه السلبي لأي قائد، وتدفعه دفعًا إلى ممارسات قد لا تعكس طبيعته الحقيقية بل وتحوله إلى شخص آخر مختلف تماما عما كان عليه قبل التسنم.
إن النظام السياسي الذي تأسس بعد 2003 لم يفسح مجالًا ليظهر القائد العراقي كما هو، بل حوّله إلى نسخة مشوهة عن ذاته، وجعل الناس يرونه من خلال سلبياته المكبرة التي أنتجها تراكم الفشل والفساد لا من خلال إيجابياته المغيبة.
إن ما أريده من هذه القراءة ليس الدفاع عن شخص أو الطعن في آخر، بل التنبيه إلى أن العراق بحاجة إلى تغيير جذري في طريقة إنتاج السلطة. نحن بحاجة إلى دولة مدنية قوية وذكية وسيادية نابضة، قادرة على أن تفتح الطريق أمام القائد ليظهر بصورة ناصعة وأكثر احترامًا وسموًا ومسؤولية، قريبًا من الناس، أو على الأقل من الأغلبية التي تمنحه الشرعية المبدئية للحكم. عندها فقط يمكن أن نرى جوهر المالكي والسوداني ومن يأتي بعدهما، بعيدًا عن التشويه الذي تفرضه بنية النظام القائم.

