الناخب قبل النائب
02/10/2025 08:35
( بقلم: طالب سعدون )
قبل أن تكون الانتخابات اختيارا للسلطة التشريعية لتنبثق عنها سلطات ومناصب كثيرة هي اختبار ديمقراطي للناخب قبل النائب لقياس مدى وعيه وكفاءة ضميره في اختيار الاصلح بمقياس الوطن وليس اي مقياس آخر.
و بهذا المعيار تكون الانتخابات فرصة دورية ثمينة لقياس هذا الوعي ودرجة تقدمه دورة برلمانية بعد اخرى والالتزام بالمصلحة العامة ومدى قدرة المواطن على تعزيز الوحدة الوطنية والتمسك بثوابتها من خلال اختيار الأصلح وليس الأقرب من المرشحين لتحقيق ما يطمح اليه على المستوى العام والخاص.
هذا هو الهدف الاساس من الممارسات الديمقراطية وفي المقدمة منها الانتخابات، وقد لخصه الفيلسوف والكاتب المعروف جان جاك روسو بخلاصة مضمونها (ان الرصيد الحقيقي للديمقراطية يتمثل في وعي الناس وليس في صناديق الانتخابات فقط).
إن الناخب - هو أساس نجاح الانتخابات في ان تأتي بنتائج يطمح اليها، فهو يقدم فيها تضحيات كثيرة ليس على مستوى ما ينفقه من ماله العام عليها بل على المستوى الشخصي، حيث يتنازل عن ارادته ويغترب اربع سنوات عن صوته وحتى عن نفسه كما يقول روسو مقابل هدف هو انبثاق سلطات البلاد بارادة الشعب، ولذلك فان مهمته يجب أن تكون دقيقة في الاختيار، فهو لا يضع في الصندوق ورقة بل يضع أحلاما وآمالا وآلاما يتطلع للتخلص منها ومشاريع يتطلع اليها ويأمل تحقيقها في السنوات الاربع القادمة .إن مدة الدورة البرلمانية كافية لقياس كفاءة الحكام بمختلف درجاتهم ومعرفة مستوى وعي الشعب وتطوره دورة بعد أخرى .أربع سنوات كافية لاختبار قيمة الصوت، وهل ذهب لمستحقه ام لا؟، لذلك فان الصوت أمانة مودعة عند من يمثل الناخب بارادته، فهل هو جدير بها أم سيفرط بها؟، وهل سيحصل على عائد يساوي قيمة صوته؟. هنا تتجلى قيمة الوعي في الاختيار والامانة على الصوت وحسن التصرف به والثقة بين الطرفين، الناخب والنائب .إن إعطاء الصوت لمن ليس أهلا لهذه الامانة هو خيانة وشهادة زور لشخص غير كفء بتحمل مسؤولية ما يُعهد اليه من مهمة وهو غير جدير بها، وعندها يحاسب على صوته شرعا.
ان الاختيار الصحيح - وهو مسؤولية الناخب - يضمن صعود عناصر كفوءة وهو عقاب ايضا للعناصر التي لم تقدم شيئا يناسب ما حصلت عليه من مكاسب وامتيازات مادية واعتبارية يتحملها الناخب بسوء اختياره ايضا.
ان الفوز بعضوية مجلس النواب، وأي موقع حكومي ينبثق عنه، وكل منصب في الدولة، ليس هبة شعبية أو غنيمة أو فرصة تتاح لمن يشغلها لمنافع ذاتية بل هي مهمة وطنية حملها ثقيل كالجبال، يقدم عليها من يمتلك الكفاءة شرط توفر القدرة العالية على مقاومة جاذبية الكرسي واغراءات المال والسلطة، وإن قيمة الموقع بما يقدمه شاغله من أعمال تخدم الوطن ويسجلها التاريخ. وتلك مهمة الناخب في حسن الاختيار.
إن الفشل في أي تجربة ديمقراطية لا يعود إلى الديمقراطية نفسها، وخاصة في مبدأ تداول السلطة عن طريق الانتخابات، بل بسبب سوء استخدام هذا المبدأ من قبل الناخب في عدم اختيار الافضل والانسب لاسباب من بينها التثقيف الخاطئ أو الفساد في شراء الاصوات أو في استغلال البعض لشعارات تستهوي مكون معين أو جماعة معينة.وقد تعطي العذر في المرة الاولى للناخب، لان الشعارات ليست (عينات) توضع في مختبرات تحليل ليكتشف المواطن صدق من يرفعها لكنه يتحمل المسؤولية في المرة الثانية عندما يقع في الخطأ نفسه لان الديمقراطية لا تنتهي عند حدود (الصندوق والصوت) بل هي اسلوب حياة يمتحن بالعمل ومبادئ تظهر قيمتها بالتجربة والتطبيق، وما اذا كانت صادقة أو لاغراض انتخابية. وما اذا كان الصوت ذهب لمستحقه أو كان سلعة تباع مقابل ثمن. وهذا يعني إن الخلل ليس في الصندوق، بل في الورقة التي يودعها الناخب فيه، أي في حسن الاختيار وتقدير قيمة الصوت.والناخب يتحمل مسؤولية اختياره ومن صوته تبدا عملية الاصلاح والتغيير ويعرف مستوى وعيه.
الخلاصة: الانتخابات ليست صناديق اقتراع وأصواتا وعملية تداول سلمي للسلطة فقط، بل هي مقياس لتطور عقول الشعوب ودرجة تقدمها وإدراكها لدورها. والديمقراطية ليست مصطلحات، الديمقراطية حياة، الناخب فيها يسبق النائب.

