مسارٌ آخر مختلف

16/10/2025 07:40

( بقلم : طالب سعدون )

بعد  أكثر من سنتين من القتال الملحمي الفلسطيني والصبر الاسطوري لشعب غزة توقف العدوان البربري الصهيوني على غزة، وعمت الفرحة الفلسطينيين بعودتهم ليس إلى أطلال وبقايا أحجار تدل على أنها آثار ديار ومساكن ومدارس ومستشفيات وبقايا حياة كانت عليها، بل العودة إلى ارض وحضارة وتاريخ يحكي قصة مجد قل نظيرها، وملحمة تاريخية مليئة بالدروس، التي ستستفيد منها المعاهد الاستراتيجية والكليات والباحثون وحركات المقاومة والتحرر، وسيكتب التاريخ عن الابادة الانسانية التي رافقتها والدمار الشامل  لكل ما على الأرض الغزاوية من حياة وجماد تسجل في سجل المجرمين الصهاينة.

 غزة.. وهي المعركة الأطول والأشرس، وضعت الاساس القوي، الذي يقرب فلسطين من اقامة دولتها الفعلية على الأرض بكامل صلاحياتها، إسوة بالدول الأخرى، وليس كما يريد الاحتلال بشرط حسن الادارة للقضية بشكلها الجديد، الذي رسمه 7 اكتوبر ووحدة الفصائل الفلسطينية.

غزة ليست معركة عسكرية فقط بل تعد تحولا استراتيجيا في مسار القضية  الفلسطينية، افشلت وضع (الحلقة المفرغة والدائرة المغلقة)، التي كانت القضية الفلسطينية تدور فيهما وإلهاء المقاومة والشعب الفلسطيني بخطوات هامشية روتينية كالدعوة إلى اطلاق أسير أو رفع حصار أو إدخال معونات ينشغل بها الرأي العام العالمي، وكأن القضية ليست بين محتل وصاحب حق وأرض محتلة، وبالتالي عزز الاحتلال ليس من سيطرته على الأرض الفلسطينية المحتلة فقط، بل امتدت يده إلى مناطق أخرى وشجعت نتنياهو على  أن يرتكب جرائم  وإبادات جماعية  مستمرة بأرقام رهيبة، لذلك فان المعركة  ليست بين المقاومة والاحتلال فقط، بل بين الشعب الغزاوي والاحتلال، كما حاول العدوان يصورها للعالم بعد أن سئم حالة الإذلالـ التي يمارسها الاحتلال، ومسلسل الموت المستمر والدمار المتواصل. 

  فجاء 7 اكتوبر ليأخذ القضية نحو مسارٍ آخر مختلف تماما، ويعترف العالم بمظلومية هذا الشعب بعد تعتيم وتصور خاطئ عن القضية، ولا بد من أن يأخذ الشعب حقه وتقام دولته على كامل ارضه.

بهذه المقاييس فان غزة معركة وجود وليست معركة عسكرية فقط، معركة  اخلاقية  ايضا عرفت العالم خلال السنتين، بما لم يكن يعرفه سابقا على مدى سنوات طويلة، ليس على مستوى الدول بل على مستوى الشعوب وفي طليعتها الشباب الذين خرجوا للتضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة وحقه في الحياة أولا واقامة دولته، كما انبرى الكتاب والمفكرون بالكتابة عن سقوط (اسرائيل) ليس عسكريا فقط، بل نزعوا عنها تلك الهالة سواء في (القوة أو الشرعية أو الاخلاق) واظهروا وحشيتها ضد الشعب الفلسطيني وهو  كشعوب الارض الاخرى وليس هامشيا بل له الحق ان يحيا على ارضه. 

وبذلك أسقط 7 أكتوبر ليس (اسرائيل) فقط بل الآلة الدعائية الصهيونية، التي استمرت سنوات تصور للعالم انها واحة الديمقراطية مقابل شعب متخلف وبذلك سقطت (اسرائيل) ومن معها اخلاقيا وسياسيا.

هكذا هي الثورات دائما يسبق نجاحها الاخلاقي فعلها السياسي المؤثر، والامثلة كثيرة ومنها على مستوى المنطقة الجزائر وعلى مستوى العالم فيتنام، ونجحت ثورة غزة في توضيح قضيتها وهو سر النجاح والانتصار على العدو.

وهذا هو أساس فرحة الغزاويين بالعودة إلى أرضهم ولا نقول لديارهم، لهول ما شاهدناه مما نقل على الشاشات وعلى الهواء مباشرة من دمار لم يبق معلما شاخصا على وجه الارض يصلح للسكن أو الإقامة، ومع ذلك فرحوا بالعودة إلى أرضهم، بعد ان أفشلوا التهديد والاغراء لمغادرتها وإيجاد أرض بديلة لهم في بلاد الدنيا الاخرى.. أفشلوا هذا المخطط وهو عنوان نجاح وانتصار يجعل من وقف النار انتصارا لغزة، بعد ملحمة ذاق الإسرائيليون فيها مر الهزيمة، لذلك خرجوا في الظلام يرقصون ويهللون لإيقاف اطلاق النار.

العريس في حفل الفرح البهي بوقف اطلاق النار والمنتصر في هذه المنازلة التأريخية، التي هزم فيها الاحتلال باعتراف متخصصين في الاحتلال نفسه، هو المقاومة ليس في يوم وقف إطلاق النار، بل من الدقائق الاولى من الحرب في 7 أكتوبر وأن قدرتها على الصمود لعامين كاملين أمام آلة عسكرية ضخمة تؤكد هزيمة اسرائيل، التي فقدت ميزة الردع في اليوم الأول من المعركة وأنها أمام مأزق وجودي لا يحل بالقوة وحدها على حد قول المحلل العسكري في صحيفة معاريف (افي اشكنازي).  

لذلك فهو يحذر (اسرائيل) ويدعوها إلى مراجعة جذرية وبخلافه فستسيقظ ذات صباح على 7 أكتوبر جديد، يفوق ما حدث في 2023 مأساوية على حد ما  يرى (اشكنازي)، فالهزيمة (الإسرائيلية)  على حد وصفه لم تقع فجأة في ذلك اليوم، بل بدأت منذ 26 أغسطس 2014، نهاية العدوان الإسرائيلي على غزة الذي استمر 50 يومًا.

ويرى ( أشكنازي)  أن ( إسرائيل)  منذ ذلك التاريخ بنت حول نفسها أسطورة مضللة عن الردع والتفوق العسكري، وصدّقت هي روايتها الخاصة عن نفسها  حتى جاءت لحظة الانهيار في 7 أكتوبر.

في المقابل، خرجت حماس بعد وقفتها البطولية عام 2014 من تحت الأنقاض لتعيد بناء قوتها، وتنقل المعركة من الدفاع إلى الهجوم، لتتحول إلى ما يسميه المحلل العسكري (جيش حماس) بفصائله وكتائبه النظامية، بينما غرقت (إسرائيل) في غطرسة القوة، متجاهلة جميع إشارات الإنذار المبكرة على حد قوله فجاء 7 أكتوبر ليسجل الانتصار ونجاح خطة المقاومة. 

 ويخلص المحلل العسكري إلى أن الفشل في المعركة ضد حماس (وهو انتصار لها بالتأكيد) لم يكن فقط عسكريا أو استخباراتيا، بل هو فشل في مفهوم إدارة (الدولة والمجتمع) ، إذ سادت في (إسرائيل) قناعة خطيرة بأنها قادرة على (التعايش)  مع الخطر، وتحويل الأزمات إلى واقع يمكن التعايش معه.

هذا التهاون، بحسب الكاتب، (كلف إسرائيل دماء 1954 مقاتلا، و255 أسيرا، وآلاف الجرحى.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026