لعنة المكوّنات
17/10/2025 12:34
الدكتور ليث شبر
لم تكن تصريحات السيد عمار الحكيم عن ضرورة "ضمان مشاركة المكوّنات في الانتخابات وحماية حصصها" سوى امتداد طبيعي للفلسفة السياسية السائدة منذ عام 2003، تلك الفلسفة التي استبدلت مفهوم الدولة بمفهوم المكوّن، واستبدلت روح الدستور بروح المحاصصة، وحوّلت السياسة إلى تجارة في سوق الحصص بدل أن تكون صناعة للمستقبل.
ولم يكن الرجل بدعًا في ما قال، فهو لم يخرج عمّا هو مألوف في اللغة السياسية العراقية التي أصبحت تعيد تدوير المفردات ذاتها كلما اقتربت الانتخابات أو تبدّلت موازين القوى. لكن المشكلة أن مثل هذا الخطاب بات يُمرَّر على الناس وكأنه حقيقة طبيعية لا يمكن مناقشتها، وكأن العراق قد وُجد ليُدار بمنطق "هذا للمكوّن الفلاني وذاك للمكوّن العلاني"، وكأن الانتماء الوطني جريمة لا تُغتفر في بلدٍ نجح محترفو التفتيت فيه في تحويل الشعب إلى فسيفساء مشروخة.
إن أخطر ما في خطاب "حقوق المكوّنات" أنه يخدع الناس بظاهر عادل بينما يخفي باطنًا ظالمًا ومدمرًا. فحقوق الناس لا تُصان بالمحاصصة بل بالعدالة، ولا تُستعاد بتوزيع السلطة بين أحزاب تمثل هويات جزئية، بل تُصان بوجود دولة قانون تحتكم إلى المواطنة لا إلى الولاءات الفرعية.
سائل نفسك؛ منذ متى كانت العدالة تقبل أن يُختزل الإنسان في طائفته أو قوميته أو مذهبه؟ ومنذ متى صار الانتماء المذهبي مقدّمًا على الانتماء الوطني، حتى صرنا نبحث عن نسب سياسي لكل مسؤول قبل أن نسأل عن كفاءته أو نزاهته أو رؤيته للدولة؟ هذه هي اللحظة التي تحوّلت فيها السياسة في العراق إلى ساحة مقايضة كبرى عنوانها "المكوّن قبل الوطن" و"الحصة قبل المبدأ".
لقد تم اختطاف العقل السياسي العراقي حين قبل بهذه البدعة الخطيرة التي لم يرثها من حضارته ولا من تاريخه، بل فُرضت عليه عبر هندسة سياسية صُنعت بعناية لتمنع قيام دولة وتمنع اكتمال شعب. فالعراق لم يُعرف يومًا بهذه الهويات المتقابلة كما يُراد لنا اليوم أن نصدق، بل كان دولة طبيعية بتنوعها، غنية بألوانها المجتمعية، ولكن لم يكن هذا التنوع يومًا أساسًا للفرقة أو حجة للتقاسم السياسي.
الكارثة لم تكن في وجود المكوّنات بل في تحويلها إلى نظام حكم، وإلى معيار للشرعية السياسية، وإلى ذريعة لتقاسم السلطة بين قوى حملت رايات الهويات لكنها لم تحمل مشروع دولة.
ومن هنا بدأت اللعنة. لعنة تسللت إلى الدستور فتربعت في روحه وإن غابت عن نصه. تسللت إلى مؤسسات الدولة فتحوّلت الوزارات إلى مناطق نفوذ حزبي، وتحولت الوظائف إلى غنائم، وتحول البرلمان إلى سوق صفقات، وتحولت الحكومات إلى جولات مساومة طويلة لاختيار من يضمن "توازن الحصص" لا "توازن الدولة". لا أحد يجرؤ أن يسأل اليوم: لماذا صار الوزير ممثلاً لمكوّنه لا للدولة؟ لماذا يُحاسب المحافظ إذا خدم أبناء محافظة أخرى؟ لماذا تتحول أي خطوة وطنية إلى مؤامرة على "حقوق المكوّن" وإلى اعتداء على "الخصوصيات السياسية"؟
إن خطاب المكوّنات هو السقف الذي يُشرعن الفساد ويحمي الفاشلين ويمنح حصانة مطلقة لكل من يتخفى وراء "حق طائفته" أو "حق قوميته". وهل هناك طريق أسهل لذبح الدولة من هذا الطريق؟ وهل هناك أداة أكثر فتكًا لتدمير ثقة المواطن بوطنه من تحويله إلى تابع سياسي يُستدعى وقت الانتخابات ليمنح الشرعية لمن يواصل بيع المكوّن باسم الدفاع عنه؟
لقد كانت النتيجة واضحة: تفككت الدولة، وتوزعت الولاءات، وخرج القرار الوطني من بغداد إلى عواصم أخرى لأن نظام المكوّنات بطبيعته يستدعي الوصاية الأجنبية، فالمكوّن يحتاج إلى راعٍ خارجي دائمًا، وإلى ممول وداعم وضامن ومفاوض.
في ظل هذه البنية المشوّهة لم نعد نتحدث عن دولة، بل عن خارطة نفوذ، وعن حكومات تولد ميتة لأنها لا تملك قرارها قبل أن تولد. كأن العراق محكوم بقانون جاذبية معكوس: كلما اقتربت الطوائف من الحكم ابتعد الوطن عن الدولة، وكلما تعاظمت الحصص تقلّصت السيادة. والغريب أن من يتحدثون اليوم عن "حقوق المكوّنات" لا يتحدثون عن حق العراقي بوصفه إنسانًا له كرامته واستحقاقه وحقه في العيش الكريم. كيف يمكن لمنظومة سياسية لا تحترم الإنسان أن تزعم احترام المكوّن؟ وكيف لمشروع لا يرى الدولة إلا غنيمة أن يقنعنا بأنه حريص على الشراكة الوطنية؟
ومع ذلك نقول: لسنا ضد أي مكوّن، فنحن أبناء أمة متعددة بطبيعتها، ولا أحد يمكنه أن يلغي هذه الحقيقة. لكننا ضد تحويل هذا التنوع إلى أداة للابتزاز السياسي، وضد تسويقه كهوية بديلة عن الوطنية، وضد فرضه كقدر على العراقيين ليعيشوا أسرى ماضٍ صنعته حروب الآخرين وأحقادهم. نعم، نحن ضد أن يكون للمكوّن تمثيل سياسي لأن هذا التمثيل لا ينتج دولة بل ينتج طبقة وسيطة تدير علاقات الظل بين الخارج والداخل.
ولهذا نقول بوضوح: الخلاص لا يكون باستبدال مكوّن بمكوّن، ولا بزيادة حصة طرف وتقليص حصة آخر، ولا بإعادة توزيع الأطراف في لعبة باتت مكشوفة. الخلاص يبدأ من إسقاط فلسفة النظام السياسي القائم على أساس المكوّنات والانتقال إلى دولة المواطنة التي تكفل حقوق الجميع بلا تمييز ولا محاصصة ولا توازنات قذرة. فالدولة لا تُبنى بالحصص؛ الدولة تبنى بالعدل. ولا تنهض الأمم بالمساومات؛ بل بالمبادئ. ولا يستعاد العراق إلا بمشروع وطني يعيد تعريف السلطة بوصفها مسؤولية لا ملكية، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة لا الانتماء، ويعيد السيادة إلى مكانها الطبيعي: إرادة شعب لا إرادات مكوّنات.
إن مشروعنا في الدولة الذكية السيادية النابضة الرئاسي ليس شعارًا انتخابيًا ولا بيانًا إنشائيًا، بل هو إعلان قطيعة تاريخية مع نظام المكوّنات. إنه انتقال من الفوضى إلى التأسيس، ومن التشظي إلى الوحدة، ومن أنصاف الحلول إلى قرار حاسم: إما دولة مواطنة أو لا دولة. إما عقد سياسي جديد يعيد بناء الشرعية على أساس الأمة لا الطائفة، وإما استمرار الانهيار تحت راية "حقوق المكوّنات" التي لم تجلب للعراق إلا الذل والضياع.
لقد آن للعراقيين أن يفهموا أن المكوّن ليس هوية، وأن من يحكم بمنطق المكوّن لا يبني وطنًا، وأن الشعوب لا تتقدم تحت رايات الانقسام. فالعراق ليس شركة مساهمة توزع أسهمها على الطوائف، وليس مشروعًا صغيرًا تتصارع عليه الأحزاب. العراق وطن، والوطن لا يقبل القسمة على حصص.
التاريخ لا يرحم المترددين. فإما أن نسقط لعنة المكوّنات… أو تسقطنا إلى الأبد.

