أرمينيا.. جبل أرارات وسفينة نوح

19/10/2025 10:28

( بقلم : د. ليث شبر )

أكتب بداية هذا المقال وأنا في الطائرة عائدا إلى بغداد بعد أن أنهيت زيارة لمدة أسبوع إلى أرمينيا ولم تكن أرمينيا على خريطتي يومًا. لم أكن أراها بلدًا يستحق التوقف عنده طويلًا. دولة صغيرة، حبيسة الجغرافيا، مثقلة بتاريخ من المآسي، من زلزال سبيتاك إلى حرب كاراباخ. لكن المفاجأة حين زرتها اكتشفت أن قيمة الدول لا تُقاس بمساحتها، بل بقدرتها على تنظيم نفسها. وهذا ما فعلته أرمينيا: نظمت كل معاناتها وتاريخها، فصارت قبلة السائحين وجوهرة القوقاز .

منذ اللحظة الأولى في يريفان، تدرك أن هذه البلاد ليست معنية بإبهارك، بل بإقناعك أن النظام ممكن حتى دون ثروة. تلك المدينة المبنية من حجر بركاني ورديّ، وألوانها هادئة، وشوارعها نظيفة وبناياتها الحكومية أنيقة ولك أن ترى ذلك في ساحة الجمهورية الشهيرة التي تزدان بالاحتفالات والرقصات.

لفتني في العاصمة الكثير ومنها شوارعها التي تصاهر فيها التاريخ والحداثة ومطاعمها ومقاهيها المتراصفة لكن أكثر ماشدني مياه الينابيع إذ تجد في كل شارع نافورة صغيرة يسمونها بُلبُلاك. تنحني وتشرب منها ماء سلسبيلا عذبا ذكرني بالسبيل الذي كان موجودا في شوارعنا واختفى كما اختفى الماء العذب من دجلة والفرات وبتنا نشرب عبوات نشتريها من الأسواق. 

غادرت يريفان نحو بحيرة سيفان، أعلى البحيرات الجبلية في القوقاز. مشهد الماء وهو يلتقي بقمة الجبل يشبه معادلة وجودية بين الصلابة والصفاء. وعلى ضفاف البحيرة مطاعم خشبية بسيطة، وأسماك تُصاد وتُشوى أمامك. وصعدنا هناك الى الكنيسة القابعة فوق الجبل وفي عمق التاريخ .

ثم اتجهت جنوبًا إلى جيرموك… مدينة الينابيع المعدنية والشلالات التي تهبط من الجبل كآيات ربانية لتعزف سمفونية أو رقصة فلكلورية. ولك أن تستشفي بالمياه الكبريتية أو تشرب الماء الساخن الذي يتلاءم مع جسدك في درجة حرارة معينة..

في كهوف “أريني” أقدم معصرة نبيذ عرفها التاريخ، وفي مصانع “أرارات” و”نوي” يتحول الشراب إلى حكاية حضارية؛ ليس لأنه مشروب، بل لأنه صناعة ذاكرة حينها عاد بي التاريخ إلى بابل وسومر ونينوى. 

حتى المطبخ الأرميني احتفظ بروحه: خبز “لافاش”، الدولما، الكباب، البهارات الريفية… ليسوا نسخًا من موائد الآخرين، بل صوت أرض يزرعها أهلها بكرامة.

حين وصلت إلى بغداد، لم أحمل معي صورًا كثيرة، بل تساؤلات مؤلمة:
لماذا يمكن لبلد صغير محاصر أن يهزم الفوضى خلال أقل من سنتين ، بينما بلد موازنته عشرين ضعفا مثل العراق تقهره العشوائية والتراجع؟
ولماذا تحوّلوا إلى بلد سياحي جميل، بينما نحن نملك الأهوار والجبال والأنهار والبحيرات ولم نتحول بعد إلى بلدٍ للعيش الحر الكريم أصلًا؟
لماذا لم نصنع من تاريخنا وحضاراتنا امتدادا لحاضرنا ورؤية لمستقبلنا..
ولماذا يشرب المواطن هناك الماء الصافي من الشارع وهو مطمئن… بينما أهل البصرة بلا مياه نظيفة وحلوة وفي كل يوم لهم قصة عناء مع الماء.

بلا شك فأرمينيا لم تنتصر بالموارد، بل بالإدارة. ولم تصنع السياحة بمعادلات اقتصادية معقدة، بل صنعتها بثلاث أدوات: النظام، وبناء الثقة، وتحويل المظلومية إلى ثروة في الانتاج والعمل .
أما نحن، فقد غرقنا في وهم الثروة حتى نسينا تاريخنا فانقطعنا عن حضاراتنا وحولنا مظلومياتنا إلى مستنقع للكراهية والتذمر والنفاق. والحديث هنا مشترك عن القيادة والمجتمع فهما لا يفترقان فلا قيادة نهضوية من دون مجتمع قادر على النهضة.

إن المقارنة بين أرمينيا والعراق ليست مقارنة جغرافيا ولا اقتصاد، بل مقارنة وعي وإرادة.
الأرمن فهموا أن المظلومية ليست عائقا … وأن الخراب يمكن إصلاحه… وأن الوطن لا يُبنى بالأمنيات بل بإرادة لإدارة ذكية..
فهل سينهض العراق من جديد؟ .. أقول ما زلت متفائلا على الرغم مما أراه من انحدار غريب سياسيا واجتماعيا ومفاهيميا ولكنني على ثقة أننا سوية يمكننا أن ننتشل العراق لنرسو به كسفينة نوح ..
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026