ما بين بول بريمر ومارك سافايا… هل عدنا إلى المربع الأول؟
21/10/2025 05:47
( بقلم : د. ليث شبر )
نما إلى علمي من مصادر موثوقة أن زيارة مارك سافايا إلى العراق باتت قريبة جدًا، وأنها ستكون زيارة استثنائية بكل المقاييس، لأنها تأتي بتكليف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصفته الممثل الشخصي له في العراق. هذا التعيين لا يشبه الترتيبات الدبلوماسية التقليدية، بل يعكس نية واضحة لإعادة رسم العلاقة بين واشنطن وبغداد من مستوى القيادة العليا، لا من دهاليز المؤسسات البيروقراطية.
من النادر أن يعيّن الرئيس الأميركي ممثلًا شخصيًا له إلا في الحالات التي يرى فيها أن مصالح بلاده الحيوية مهددة أو أن خرائط النفوذ في المنطقة تمر بمرحلة إعادة توزيع. حدث ذلك عام 2003 حين أرسل بوش الابن بول بريمر ليضع أسس النظام الجديد بعد إسقاط الدولة العراقية، وها هو ترامب يستحضر التجربة ولكن في زمن آخر وسياق مختلف. إن التاريخ لا يكرر نفسه عبثًا؛ بل يعود ليمتحن الوعي العراقي، وليقيس مدى نضج الدولة بعد عقدين من التقلّبات والفشل والاختبارات المؤلمة.
الإيجابيات في هذا التعيين تكمن في أن ترامب يتعامل مع العراق بوصفه موقعًا محوريًا في معادلة الشرق الأوسط المقبلة. فتكليف مبعوث خاص بهذه الصفة يعني أن الرئيس يريد إدارة الملف بنفسه ومتابعة تفاصيله بعيدًا عن تناقضات المؤسسات الأميركية التي أربكت السياسة الخارجية طوال السنوات الماضية. فهذه القناة المباشرة قد تتيح فرصة لحوار أكثر واقعية وصراحة حول مستقبل العلاقة ومصالح الطرفين.
لكن الجانب المقلق لا يقل أهمية. فالعراقيون ما زالوا يحملون ذاكرة بريمر الثقيلة، ولا يرغبون في استعادة كوابيس الوصاية أو العودة إلى المربع الأول حيث تُدار شؤونهم من خارج حدودهم. فوجود ممثل رئاسي أميركي بصلاحيات خاصة يعني عمليًا أن العراق ما زال يُنظر إليه كـ“ملف أمني” أكثر منه “دولة سيادية”، وأن القرار الأميركي يريد التعامل مباشرة مع القوى المؤثرة في الداخل، متجاوزًا البنية الدبلوماسية التقليدية. وهذا وحده كافٍ لإثارة المخاوف من تدخلات أعمق في ملفات حساسة مثل الوجود الإيراني، والحشد الشعبي، والانتخابات المقبلة.
مارك سافايا شخصية مختلفة عن سابقيه. فهو عراقي كلداني من أصول موصلية، عاش في الولايات المتحدة واكتسب فيها خبرة سياسية وإدارية جعلته يجمع بين الفهم العميق للهوية العراقية ومعرفة دقيقة بآليات القرار الأميركي. وهذه الخبرة تمنحه قدرة على التحدث بلغة مزدوجة تجمع بين العقل الغربي والحس الشرقي، لكنها في الوقت نفسه تجعله أكثر خطورة إن لم يكن العراق مستعدًا بمشروعه الوطني الواضح. فالرجل يعرف تضاريس الوعي العراقي ومفاتيح التأثير فيه، ويستطيع أن يتعامل مع الساسة والمرجعيات بلغة الداخل لا الخارج.
إن زيارة سافايا لن تكون حدثًا بروتوكوليًا، بل إشارة إلى أن واشنطن تستعد مبكرًا لما بعد الانتخابات العراقية، وتبحث عن صيغة جديدة لتثبيت نفوذها قبل أن تتبدّل الموازين. فهي لا تثق بقدرة القرار الداخلي على ضبط التوازن بين القوى الداخلية والإقليمية، وتفضّل التعامل مع العراق من خلال قناة رئاسية مباشرة تضمن سرعة القرار ووضوح الهدف.
ويبقى السؤال المفتوح: هل سيعيد مارك سافايا إنتاج تجربة بول بريمر بثوب جديد، أم أنه سيفتح بابًا لإعادة صياغة العلاقة بين بغداد وواشنطن على أساس الاحترام والسيادة والمصالح المتبادلة؟
الجواب ليس في واشنطن، بل في بغداد. فإذا امتلك العراقيون مشروعهم لبناء الدولة والسيادة، فسيتعاملون مع كل مبعوث من موقع الندّية والعقل، أما إذا ظلوا أسرى الانقسام والمغانم، فسيبقى المربع الأول يدور بهم إلى الأبد.
إننا نذكّر هنا بما طرحناه منذ سنوات تحت عنوان الولايات المتحدة العراقية، ذلك المشروع الذي يستلهم التجربة الفيدرالية الأميركية ليعيد بناء الدولة العراقية على أسس السيادة والوحدة والتمكين المحلي، ضمن نموذج الدولة الذكية السيادية النابضة التي توظّف العلم والتكنولوجيا والإدارة الذكية في صناعة القرار. فبدل أن يكون المبعوث الأميركي هو من يخطط لمستقبل العراق، يجب أن يكون العراقيون هم من يقدّمون للعالم نموذجهم الجديد في الحكم والإنتاج والحرية. وحين نصل إلى تلك اللحظة، لن يقلقنا اسم المبعوث ولا الدولة التي أرسلته، لأن السيادة آنذاك ستكون نبضًا عراقيًا لا يُستعار من الخارج.

