صحوة ديمقراطيَّة أم حالة طبيعيَّة؟
17/11/2025 06:12
بقلم .. طالب سعدون
انتخب قبل ايام ( 4 نوفمبر 2025 ) “زهران ممداني” رئيسا لبلدية نيويورك
( أو ما يقابلها بالعربية منصب المحافظ أو العمدة) وهي عاصمة اميركا الاقتصادية والمالية والثقافية أو هي باختصار عنوان الثراء والمال السياسي، ناهيك عن انها مقر الامم المتحدة.
ولو كان غير “ممداني” من الديانات الاخرى أو لم يكن اشتراكيا وفاز في هذا المنصب لما أثار مثل هذه الضجة والاعجاب والتغطية الواسعة ليس في اميركا فقط التي تعتبرها طبيعية وضمن شروط الديمقراطية التي تعتمدها بل في خارجها خاصة عند العرب والمسلمين، لأنه مسلم أولا ومتزوج من عربية ومن أصول هندية أو آسيوية أو أفريقية، وناشط اشتراكي في قلب دولة رأسمالية، وأسقط في المنافسة مرشح وول ستريت وشركات المليارديرات، وفي هذه النتيجة يكون قد فاز على الرئيس ترامب وجماعته ولم يبال بهجومهم ضده، ولذلك فقد وصفوا فوزه بانه هزيمة لترامب وتراجع في شعبيته، فهو تصرف عكس ما يريد وتعرض من ترامب إلى هجمة كبيرة وهجوم لاذع، ولذلك عد فوزه احتجاجا شعبيا ديمقراطيا على السياسة الترامبية والحزبية عموما التي يحتكرها الحزبان الديمقراطي والجمهوري.
وقد اقترن هذا الاعجاب عند البعض بحالة من الانبهار واستحضار التاريخ فاطلق البعض الخيال لنفسه في هذا الفوز فوصفه بـ(الفتح المبين) أو (فتح الاندلس) أو (غزوة نيويوركية) في عقر دارهم وكأن نيويورك قد تحولت إلى (ولاية اسلامية) على يد (الفاتح) “ممداني” متناسين أنه اميركي أولا وواليا لولاية اميركية ولفترة محدودة، وربما يأتي بعد من يعيد الامور إلى سابق عهدها، لكن ما لا يمكن انكاره والاشادة به أن ما حققه يعد سبقا كبيرا خلق حالة من الارتياح والفخر والزهو عند المسلمين عموما، ويحسب ايضا لغزة في وقفتها البطولية وله في موقفه المؤيد لفلسطين وغزة وإدانة جرائم نتنياهو، وفي رده على سؤال قال صراحة انه سيأمر باعتقاله اذا زار نيويورك تنفيذا لأمر المحكمة الجنائية
الدولية.
فوز “ممداني” حدث متميز لانه حصل في مدينة مهمة يعيش فيها اكبر تجمع يهودي في العالم، وهذا يعني في حساب الارقام والاصوات انه جاء ايضا بدعم اليهود وخاصة من الشباب، الذين ضاقوا ذرعا باعمال نتنياهو والابادة التي ارتكبها ضد الشعب الفلسطيني في غزة على مدى سنتين كاملتين ويزيد وبالدعم الذي تلقاه من الرئيس
ترامب.
اذا كانت نيويورك على هذه الدرجة من الأهمية، فهل يعني هذا الفوز ان تبدلا مهما قد حصل في مزاج المدينة السياسي التي تعد من اكبر المدن الاميركية تأثيرا ام هو حدث عابر سيزول في انتخابات اخرى؟ وهل لهذا التغيير علاقة بتغير النظرة إلى ما يسمى بـ(الإسلام فوبيا)، التي شاعت بعد احداث 11 سبتمبر والتعامل برؤية جديدة مع مصطلح معاداة السامية؟.
بالتاكيد ان نيويورك اعطت درسا مهما في الديمقراطية وأكدت أنها قادرة على احداث المفاجآت الكبيرة في البلدان عامة عندما تمارس القواعد الشعبية دورها الديمقراطي الصحيح وتحافظ على هويتها دون قيد يحول دون طموحها السياسي وأن صناديق الاقتراع قادرة على احداث التغيير المطلوب في كل مناحي الحياة، اذا ما احسن استخدامها من الناخب كما حصل مع “ممداني” في نيويورك أو عندما تواجه الشعوب ظروفا استثنائية تستوجب التغيير وتضمن من خلال صناديق الاقتراع تحقيق ما تطمح اليه، ومنها العدالة والغاء التفاوت في توزيع الثروات وحالة الاسواق والسياسات الاقتصادية عموما، التي احدث فيها ترامب تغييرات كبيرة أثرت سلبا في اميركا والشباب والقوى العاملة، وظهرت نتائجها في نيويورك، التي تعد مدينة اليهود وقلعة من قلاع الرئيس ترامب بهذه المفاجأة والسرعة.
وهناك من يتساءل، هل سيكون فوز “ممداني” بداية صحوة ديمقراطية اميركية تتجاوز اللون والدين والهوية والأصل، كما حصل مع أوباما سابقا وربما يكون هذا الفوز زلزالا له توابع أخرى، قد تمتد إلى العالم، أم انه مسألة طبيعية تحصل في المجتمعات الديمقراطية ويقع تحت السيطرة ومحسوب له
بدقة؟.
السؤال والجواب مبكران، لكن في كل الاحوال يحسب لهذا المسلم الاشتراكي أنه سجل فوزه الساحق في قلب عاصمة الرأسمالية المتغولة نيويورك وهزم المليارديرات وفضح الممارسات الرأسمالية، التي تعاني منها الطبقات المتوسطة والفقيرة ..باختصار كان “ممداني” قريبا من الناخب وهموم
الشارع.

