زوالٌ لا محال
26/11/2025 03:17
بقلم .. طالب سعدون
فكرة (زوال) إسرائيل هاجس يلاحق الكيان الصهيوني منذ نشأته ووردت نبوءات كثيرة لا تعد ولا تحصى على لسان كتاب ومفكرين، وحتى قادة سياسيين في (اسرائيل) عن احتمالات هذا الانهيار منهم على سبيل المثال (ابراهام بورغ) الذي شغل منصب رئيس الكنيست الإسرائيلي، حيث يرى (إن المشروع الصهيوني، الذي بدا في القرن التاسع عشر شارف على نهايته ولم يعد له مكان في القرن الحادي والعشرين)
فمقولة (زوال اسرائيل) لم تعد (حلم حالم) أو نبوءة عراف عابرة أو عبارة تتردد أو تكتب دون دليل، بل فكرة تعامل معها علماء وباحثون ومفكرون ومؤرخون (إسرائيليون) وحاخامات يهود ومفكرون عرب ومسلمون بمهنية أكاديمية وعلمية عالية، مثل الراحل عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) و(الصهيونية واسرائيل)، وقد حدد في وقت حديثه عن هذا الموضوع ( 2008) نهاية قريبة للزوال حددها بمدى قصير لا يتجاوز الخمسين عاما معتمدا على حقائق ومعطيات، وليست امنيات اكدتها احداث جرت بعد رحيله (منها واقعة الاقصى في غزة) مما جعل هذه الفكرة تبدو حقيقة الان وتتجلى بعض مظاهرها في تغير نظرة العالم إلى (إسرائيل) من (واحة الديمقراطية) وسط (غابة من الهمجية والتخلف) إلى مجرمة تمارس الابادة الجماعية مع شعب سيطرت على أرضه ظلما وعدوانا وتطارد المجرمين فيها العدالة الدولية واصدرت فيهم حكمها العادل.
كما تغيرت النظرة إلى (قوة اسرائيل) فتحولت في نظر العالم من (قوة) لا تهزم إلى (ارض) تحت مرمى النيران وسقط وهم (خدعة قوة التكنولوجيا) من بُعد أو من الجو بعد ان انطلت على الكثير وتبين للعالم والكيان نفسه انه لا يملك القوة نفسها على الأرض، خلال حرب السنتين وظهر بوضوح أن هذا الكيان هش وعرضة للانهيار في الحروب الطويلة، وتحول هذا الكيان من أرض جاذبة لليهود والمهاجرين من بقاع شتى من العالم إلى طاردة لمن حل بها هاربون مذعورزن وبذلك (تحول المحتل إلى نازح أو عائد من حيث اتى)، كما تحولت مدنه ومستوطناته إلى اشباح بعد أن هجرها ساكنوها، فكيف لهذا الكيان وهو بهذا العجز أن يتوسع ويقيم (امبراطورية كبيرة) وعد بها وثقف لها كل هذه المدة الطويلة وانطلت على الكثير، وهو لم يستطع أن يؤمن (داخله)، وهذه الحالة لم تحدث سابقا كما حصلت بعد الطوفان، وهي من علامات تصدع (المجتمع الاسرائيلي) وتفككه وانهياره ومن ثم الزوال.
وبعد عملية الطوفان توسعت هذه النبوءات وزادت اكثر داخل (اسرائيل) نفسها، فهذه العملية ليست متميزة في نوعيتها العسكرية والاستخبارية فقط بل في تعزيز فكرة فشل (اسرائيل) فانتشرت كثيرا فكرة التراجع والانهيار وعدم القدرة على الصمود والبقاء أو الثقة بالمستقبل أو تحقيق اهدافها، وبالتالي انعكاس كل ذلك على المشروع الصهيوني برمته والفشل في تحقيقه والقلق من الزوال الذي يساور (قادة) هذا الكيان.
ومما يؤكد هذا الاستشراف لمستقبل اسرائيل هو ما نشرته صحيفة ها آرتس من أن جامعة هارفارد الاميركية تحتفظ في موقع سري بارشيف ضخم لهذا الكيان (لم يصدر عن الجامعة تعليق حول الموضوع لحد كتابة هذه الاسطر)، ويحتفظ الارشيف بكل ما نشر في (اسرائيل) من انتاج ثقافي وعلمي واجتماعي ذي قيمة بحثية كبيرة تحسبا لزوال هذا الكيان.
بدأته الجامعة في ستينيات القرن الماضي ويضم عشرات الآلاف من المجلدات والمؤلفات في مختلف المجالات محفوظة ومفهرسة داخل قاعات ضخمة في الجامعة، وترى الصحيفة أن مواد الارشيف ليست هامشية بل هي وثائق اجتماعية ذات قيمة بحثية كبيرة تناولت شتى المواضيع، ابتداء من البسيطة صعودا إلى القضايا المهمة بما فيها الوثائق السياسية والعسكرية والتسجيلات والصور والحياة اليومية، فيكون هذا الارشيف بمثابة ذاكرة بديلة (لإسرائيل) وتسجيلا للاحداث حسب الرواية الصهيونية.
وجد ليكون نسخة احتياطية كاملة لما يجرى في (اسرائيل) وبالتالي فهو ليس عملية بحثية فقط بقدر ما هو عمل يعكس القلق الذي ينتاب الصهاينة من هاجس زوال كيانهم وتتعامل معه وكأنه واقع لا محال.
وايا كان الهدف من ارشيف هارفرد سواء لحفظ الذاكرة تحسبا لزوال هذا الكيان كما يرى بعض الباحثين والكتاب أو تسجيل الاحداث والذاكرة حسب الرواية الصهيونية في رأي آخرين، فإنه في النهاية يمثل فشلا للصهيونية وانتصارا للذاكرة الفلسطينية لانها تسجل على الارض وبدماء وسواعد واقلام وطنية واصرار على الحفاظ على الارض بكل ما عليها من بشر وتاريخ وملاحم بطولية خالدة، تحفظ هذه الذاكرة في الضمائر والقلوب كما هي على الارض الوطنية وليس على أرض أجنبية.
فلسطين حية في الذاكرة وعلى الأرض، والكيان الصهيوني إلى زوال كما تنبأ مفكرون ومحللون ومنهم إسرائيليون، كيان ليس له علاقة بذاكرة الارض أو التاريخ كما هي الذاكرة الفلسطينية، لذلك ليس غريبا عليه ان ينتقل بذاكرته إلى مكان اخر بينما الذاكرة الفلسطينية ثابتة على ارضها. وشتان ما بين
الذاكرتين.

