المنصب.. برنامجٌ واختصاص
08/12/2025 11:32
بقلم .. طالب سعدون
برلمان هذه الدورة ربما لا يختلف في شكله العام، الذي اعتاد عليه في الدورات السابقة، إذ يضم كتلا رئيسة مؤثرة و(أفرادا مستقلين)، إلا أن تشكيل (المجلس السياسي الوطني السني) والحراك الكردي بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة، وما سيتمخض عنه سيعزز من العرف السياسي الذي سارت عليه البلاد في توزيع المناصب.
الجديد في هذه الدورة هو أن المجلس بهذا التشكيل، أصبح يضم ثلاث كتل برلمانية رئيسية بمسميات مكوناتها، وربما سينعكس على طريقة الاختيار للمناصب، فذهبت التكهنات إلى توقع أن يُعتمد اسلوب (الصفقات والسلة الواحدة) في توزيعها.
واذا كان لا بد من السير على هذا العرف بعد أن أصبح امرا واقعا و(لا يقل قوة عن قوة القانون) وبضوئه جرى في الدورات السابقة تقسيم السلطات والمناصب بما فيها الوزارات، فيصبح (شرطا لازما) أن يكون الشاغل للمنصب اختصاصيا أو (سياسيا يحمل رؤية عن القطاع الذي سيديره)، فالوزير في الانظمة - بمختلف توجهاتها - ليس مجرد موظف بدرجة وزير، أو واجهة لحزب جاءت به الانتخابات، التي فاز فيها هذا الحزب، بل هو (مستشار الحكومة في قطاعه)، و(أكبر مسؤول تنفيذي في الوزارة)،
بسبب موقعه الاول فيها، ولهذا لا يجوز أن يُنسب اليها كيفما اتفق، أو تُراعى فيها (العدالة)، وفق مبدأ التوازن أو المحاصصة، ويُنسى الحق الوطني في هذا المنصب المهم ويكون المعيار هو النسبة والتناسب في
المواقع بين الكتل والاحزاب المشاركة في العملية السياسية، أي بمعنى أن يكون الوزير اختصاصيا في مجاله، أو سياسيا له رؤية واضحة لقطاعه يعمل على تحقيقها من خلال هذا المنصب وبخلافه يكون المنصب لخدمة الكتلة أو الحزب أو من يشغل المنصب.
واختيار الحكومة ليس استحقاقا انتخابيا فقط، بقدر ما هو اختيار لبرنامج جديد للحكومة يحقق نتائج تعالج الاخفاق اذا ما وجد في الوزارة السابقة، أو يضيف نسبة نمو للتطور، وإنجازات اخرى لما تحقق سابقا.
وبخلاف ذلك يصبح المنصب تشريفا و(مكافأة ديمقراطية) بفعل الأصوات، وليس من حق أحد محاسبة من يشغله، أو يكون متفضلا عليه، وليس أمام الشعب غير الانتظار لدورة اخرى، وعندها تكون البلاد ايضا في دورة متوالية من التراجع بدل أن تكون في حالة مستمرة من التطور .
وما دام الوزير جاء إلى المنصب وفق (المبدأ الديمقراطي بفضل أصوات كتلته)، فينبغي أن يخضع هو أولا والتشكيلة الوزارية عامة للاستفسار عن المتحقق ونسب النمو، والمنجز من البرنامج الحكومي، وبعدها يكون الحساب في حالة الاخفاق. ذلك هو الشق الثاني من العملية الديمقراطية، إذ يفترض أن يكون الشخص الاول في الحكومة قد حدد (برنامجه معتمدا على خطط وزرائه)، كم من المشاريع ستحققها حكومته، ويعلن في نهاية الدورة كم حقق منها، وكم زاد عليها، ولماذا لم يصل إلى الرقم المحدد، اذا ما حصل تراجع.?
فعلى سبيل المثال عندما يكلف شخص ما بوزارة الصناعة مثلا ، ينبغي أن يكون قد أعد خطة قصيرة للوزارة (سنة مثلا) وخطة استراتيجية يتعهد فيها بتحقيق نسبة نمو معينة في مؤسسات الوزارة، تضمن تشغيل كذا عدد من العاملين، ويحدد المجالات التي يجري فيها التوسع الصناعي، وما هي مساهمتها في تقليل الاستيراد بإنتاج ما تحتاجه بلاده، وتكون له رؤية واضحة للقطاع الخاص الصناعي ايضا، وكيف يساعد القطاع العام في انتاج حلقات معينة، وكيف يكون التكامل بينهما وهكذا وأن يأخذ في اعتباره أن الصناعة في عالم اليوم، ليست قاطرة في التطور فقط، وانما لها (حصة الاسد) في توفير فرص العمل وسد الحاجة للسلع، ولها نسبة كبيرة في الصادرات والناتج القومي عموما.
وهكذا بالنسبة لوزارة الزراعة (سلة الشعب الغذائية) والكهرباء والتجارة والتربية والتعليم وكل الوزارات .
وعلى سبيل المثال، أصبح الاديب طه حسين وزيرا للتعليم في مصر، كانت له رؤية مسبقة بان (التعليم مثل الماء والهواء)، فكيف له أن يحققها وقد حانت الفرصة لتطبيقها بعد ان تحولت إلى خطة للحكومة، فجاء بخطة استندت على هذه الرؤية. وقس على ذلك الوزارات الأخرى، فبالنسبة لوزارة الثقافة مثلا هناك من له رؤية تتحول إلى التزام حكومي بعد ان تبنتها في برنامجها ومفادها (بأن الثقافة عامة، وتكون مثل الشمس تشرق وتشع على الناس جميعا نورا ومعرفة)، وعليه لا بد من خطة قصيرة وبعيدة للوزير لتحقيق هذه الرؤية والهدف، ويأتي بعده من يكملها.
هذا هو المبدأ العام للدولة، وهنا تظهر قيمة ودور المنصب وعندها لا يهم المواطن كثيرا أن يكون شاغله من أي كتلة أو حزب ما دام يشغله بكفاءة عالية واختصاص فني أو هو سياسي يحمل رؤية للوزارة في الدور والعمل والتطور، وفق متطلبات العصر ونسبة المضاف إليه وحاجة البلاد في كل دورة برلمانية .هذا هو المبدأ العام.
وبذلك تكون الدولة قد حققت الكفاءة والنزاهة معا، واغلقت الباب امام من يحاول عكس ذلك عندما لا يستجيب لمهام الوزارة، كأن يستخدم المنصب لأغراضه الشخصية أو الحزبية مثلا .
والدولة تكون دولة مؤسسات متى ما اعتمدت مبدأ (الرجل المناسب في المكان المناسب)، ولن يتحقق هذا الهدف إن لم تأخذ الكفاءة حقها، والاختصاص - بما فيه الاختصاص السياسي - استحقاقه من المناصب والوظائف.
وبذلك أيضا تكون دولة مؤسسات ممثلة لكل الشعب، وأما الاشخاص القائمون على مؤسساتها المختلفة فهم (ليسوا أفرادا)، بل هم منظمون ومشرفون ومنتدبون دستوريا لتنظيم اعمالها وتنفيذ برامجها وسياساتها التي وضعتها ضمن برنامجها للدورة الانتخابية، أي أنهم يأخذون صفتهم الادارية والدستورية والقانونية من تلك المؤسسات.
الخلاصة: يذهب الاشخاص - لأي سبب كان - وتبقى الدولة والمؤسسات، يذهب الرئيس مثلا، وتبقى مؤسسة الرئاسة، ويذهب الوزير وتبقى الوزارة، وينطبق الامر على كل المفاصل والمؤسسات دونهما.

