ولاية البصرة.. الأقليم المظلوم
19/12/2025 10:22
بقلم .. الدكتور ليث شبر
في كل مرة أسمع فيها حديثًا عن البصرة، لا أسمعه بوصفه نقاشًا إداريًا، ولا أقرؤه بوصفه جدلًا دستوريًا. بل أسمعه كما يسمعه البصريون أنفسهم: مزيجًا من يأس متجدد ، وغضبٍ مؤجل، وسؤالٍ لم يجد جوابًا مقنعًا حتى الآن. سؤال لا يبدأ من فكرة الإقليم، بل ينتهي عندها، بعد أن يمرّ بمحطات طويلة من الإهمال، وسوء الفهم، واختلال العلاقة بين من ينتج الثروة ومن يقرّر مصيرها.
الرأي البصري، لمن يريد أن يسمعه كما هو لا كما يُنقل في البيانات، ليس رأيًا انفصاليًا ولا نزقًا. بل هو رأي يقول، بصيغة بسيطة ومباشرة: نحن لسنا أقل وطنية من أحد، لكننا سئمنا أن نكون أكثر تضحية وأقل حضورًا في القرار.
سئمنا أن تُدار مدينتنا من مسافة بعيدة، وأن تُختزل في أرقام تصدير، بينما تفاصيل حياتنا اليومية تُترك للفوضى، أو للمصادفة، أو للنفوذ غير الرسمي.
حين يتحدث البصريون عن الإقليم، فهم في الغالب لا يتحدثون عن شكل الدولة، بل عن غيابها. لا يتحدثون عن الخروج من العراق، بل عن شعورهم بأن العراق، بصيغته الحالية، لم يدخل البصرة إلا بوصفها خزينة مفتوحة. وهذا فرق جوهري لا تريد النخب السياسية في بغداد أن تتوقف عنده.
لكن الخطأ الأكبر هو أن يُفصل هذا النقاش عن سؤال الدولة نفسه. لأن البصرة، في حقيقتها، ليست حالة محلية معزولة. هي نقطة اختبار كبرى: إما أن تنجح الدولة في إدارتها بوصفها عقدة سيادية واقتصادية معقدة، أو تتركها تتآكل تحت ضغط الداخل وتقاطعات الخارج.
في مشروع الدولة الذكية السيادية النابضة، لا تُفهم البصرة كمحافظة، ولا كإقليم محتمل، بل كمجال استراتيجي يحتاج نمط حكم مختلفًا، داخل الدولة الواحدة، لا على هامشها. نمط لا يقوم على المركزية الخانقة، ولا على التفويض المنفلت، بل على توزيع ذكي للصلاحيات، مرتبط بالوظيفة لا بالمزاج السياسي. وهنا فقط يصبح الحديث عن “الولايات المتحدة العراقية” مفهومًا بوصفه تنظيمًا عقلانيًا للدولة، لا تفكيكًا لها.
ومن دون هذا الفهم، ستبقى البصرة مساحة مفتوحة للأطماع، لا لأن أهلها يريدون ذلك، بل لأن الفراغ السيادي لا يبقى فراغًا طويلًا. إيران، على سبيل المثال، لا تنظر إلى البصرة كما ينظر إليها الخطاب العاطفي. تنظر إليها كبوابة، وكعمق، وكخط تماس اقتصادي وأمني. وكلما ضعفت قدرة الدولة العراقية على إدارة البصرة بوصفها مركز قرار، لا هامش نفوذ، ازداد حضور الآخرين فيها، بصيغ ناعمة أحيانًا، وبوسائل أكثر خشونة حين يلزم الأمر.
والأمر نفسه ينطبق على الامتداد مع الكويت. هذا الامتداد لم يُدار يومًا بعقل الدولة الحديثة، بل ظل أسير عقد تاريخية، وقراءات انفعالية، أو مقاربات أمنية ضيقة. بينما الحقيقة أن البصرة والكويت، في منطق الاقتصاد والجغرافيا، ليستا على طرفي صراع، بل على خط تكامل ممكن، إذا وُجدت دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تحمي سيادتها وهي تنفتح في الوقت نفسه على شراكات ذكية.
الرأي البصري هنا لا يطلب المستحيل. ولا يطالب بدولة داخل دولة، ولا قطيعة مع بغداد . هو يطلب وضوحًا: من يقرر؟ كيف تُدار الموارد؟ لمن تُصرف؟ ومن يحاسب من؟ وهذه أسئلة لو طُرحت بجدية في أي دولة تحترم نفسها، لما أثارت كل هذا الذعر.
المشكلة ليست في أن البصرة تفكر بالإقليم. المشكلة أن الدولة لم تقدّم بعد بديلًا مقنعًا عن هذا التفكير. بديلًا يقول للبصري: نحن نراك، نفهم موقعك، ونعرف أن إدارة مدينتك بعقلية المحافظة التقليدية لم تعد ممكنة.
لهذا أقول إن الجدل حول إقليم البصرة، بصيغته الحالية، جدل ناقص. لأنه يتعامل مع النتيجة ويتجاهل السبب. ومع الشكل ويغفل الجوهر. أما مشروعنا، فينطلق من نقطة أخرى: إعادة تعريف الدولة نفسها، قبل أن نختلف على خرائطها الداخلية.
حين تكون الدولة ذكية، سيادية، نابضة، لا تخاف من البصرة، ولا تخاف البصرة منها. وحين يغيب هذا النموذج، سيبقى كل نقاش عن الإقليم مجرد تعبير متأخر عن دولة لم تحسم أمرها بعد.

