ما بين مارك وباراك… ضاعت لحايانا

06/02/2026 05:56

بقلم .. د . ليث شبر

أكتب هذا المقال وكلي ألم وحزن لما أراه في كيفية التعامل مع العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وألم مضاعف لما أراه من الصمت المطبق من الحكومة ومؤسساتها وأيضا من النخب التي تدعي أنها تدافع عن الوطن وكأننا شعب ساذج إلى الحد الذي يصدّق أن ما يجري فوق أرضه يجري بمعزل عنه، أو أن مصيره يُصاغ صدفةً، أو أن أسماء الموفدين والمبعوثين والوسطاء ليست سوى تفاصيل إدارية في دفتر علاقات دولية رتيب. 

ما بين “مارك” الذي كان يتحدث عن مكافحة الفساد، وتعقّب الأموال المنهوبة وكشف شبكات النفوذ والقضاء على المليشيات ولنجعل العراق عظيما ووو وكأنه المنقذ.. وما بين “باراك” الذي يمثل اسمه بوصفه رمزًا اقتصاديا لمرحلة أمريكية سابقة بشعارات كبيرة عن التغيير وإعادة تشكيل الشرق الأوسط وأن هذه المنطقة التي لم يستطع إصلاحها الأنبياء وأفكار لا علاقة لها بحضارة العراق ولا بمشهده الاجتماعي.. تضيع حياة العراقيين في منطقة رمادية خطيرة فلا هي سيادة مكتملة، ولا هي وصاية معلنة. وكأنما هناك دائمًا خطاب أخلاقي قادم من الخارج، يقابله واقع داخلي معطوب، وتظل المسافة بين الخطابين هي المساحة التي يُسحق فيها الإنسان العراقي.

القضية ليست في نوايا الأشخاص، ولا في أخلاقيات الأفراد، ولا حتى في صدقية بعض الملفات التي تُثار عن فساد أو سلاح أو نفوذ. نعم القضية أعمق وتتمثل في الطريقة التي يُدار بها العراق بوصفه “ملفًا”، لا بوصفه “دولة”. ملف أمني حينًا، وملف نفوذ إقليمي حينًا، وملف نفطي ومالي حينًا آخر. أما الإنسان الذي يعيش في البصرة والموصل والناصرية وبغداد، فيبقى خارج المعادلة، حاضرًا في الخطابات بوصفه ضحية، وغائبًا عن السياسات بوصفه صاحب حق.

بين هذه الأسماء المتعاقبة، لم تُبنَ دولة، ولم تُرمَّم ثقة، ولم تُستعاد سيادة. إنما الذي بُني هو شبكة مصالح عابرة للحدود، تتغذى على هشاشة الداخل، وعلى نظام سياسي صُمّم أصلًا ليكون قابلًا للاختراق، والتشظي، وإعادة الإنتاج كلما تعثّر. 

كل مبعوث يأتي بوصفة، وكل إدارة أمريكية تأتي بسردية، وكل خطاب جديد يعد بـ“مرحلة مختلفة”، لكن البنية التي تُنتج الفشل تبقى على حالها: آليات إنتاج سلطة مشوّهة، محاصصة، توازنات هشة، ونخب تتقن التعايش مع الفوضى لأنها جزء من اقتصادها السياسي.

في هذا المشهد، يتحوّل الحديث عن مكافحة الفساد إلى خطاب انتقائي، يُستخدم للضغط السياسي أكثر مما يُستخدم لبناء منظومة عدالة. يتحوّل الحديث عن كبح النفوذ الخارجي إلى جزء من صراع نفوذ خارجي آخر. وتتحوّل “الدولة” إلى كلمة جميلة في البيانات، قبيحة في الواقع، لأن شروط قيامها لا تُمس: لا سيادة قرار، لا احتكار مشروع للسلاح، لا اقتصاد وطني مستقل عن الريع والتهريب والوساطات، ولا نخبة سياسية تشعر بأن بقاء الدولة أهم من بقاء مواقعها.

“ما بين مارك وباراك ضاعت لحايانا” ليست شتيمة لأشخاص، بل توصيف لمرحلة طويلة من تعليق المصير العراقي بين إرادات خارجية متغيّرة، ونخب داخلية عاجزة أو متواطئة. ضاعت اللحى – كناية عن الهيبة والوقار والرجولة السياسية – لأن السياسة نفسها فقدت معناها الأخلاقي، وصار الوطن ساحة اختبار للخطط، لا غاية بذاته. ضاعت لحانا لأننا اعتدنا أن ننتظر “إشارة” من الخارج.. من يدعمه الأمريكي.. من ترضى به إيران.. ومن لا تعترض عليه العواصم.. 

الخسارة هنا ليست خسارة جيل سياسي فحسب، بل خسارة زمن كامل من أعمار الناس. أعمار صُرفت في الانتظار، وفي التأقلم مع اللادولة، وفي تعلّم العيش داخل الاستثناء. طفل كبر على صوت الأزمات، وشاب دخل الحياة العامة بلا أفق واضح، وموظف اعتاد أن يرى الدولة كغنيمة، لا كعقد اجتماعي. هذا كله لم يكن قدَرًا سماويًا، بل نتاج إدارة فاشلة لعلاقة العراق بالعالم، وإدارة أفشل لعلاقة السلطة بالمجتمع.

الطريق إلى الخروج من هذا التيه لا يمر عبر تبديل أسماء المبعوثين ولا عبر التعويل على تغير الإدارات في واشنطن، بل عبر استعادة المعنى البسيط للدولة وهو أن يكون القرار وطنيًا، وأن تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن يكون الخارج شريكًا في إطار سيادة واضحة، لا وصيًا في ظل فوضى مريحة لكثيرين. من دون ذلك، سيظل العراق يتأرجح بين اسم وآخر، وخطاب وآخر، فيما تستمر الحياة اليومية للناس في التآكل، كأنها ثمن جانبي لصراعات لا نملك مفاتيحها.

في النهاية، ليست المشكلة أن “مارك” قال أو “باراك” فعل، بل أن العراق لم يقل كلمته بعد، ولم يفرض منطقه بعد، ولم يتحوّل من ملف على طاولة الآخرين إلى دولة على خريطة العالم. حينها فقط، لن تضيع لحانا بين الأسماء، لأن الوجوه ستتغيّر، لكن المعنى سيبقى ثابتًا: هذا بلد قرر أن يكون سيّد نفسه وحينها سيكون العراق عظيما مرة أخرى.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026