الملف النووي الإيراني بين التفاوض المشروط وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
25/02/2026 10:15
بقلم .. د. غازي فيصل حسين
تشير المعطيات الراهنة إلى أن مسار التفاوض حول البرنامج النووي لـ إيران لا يزال محصوراً في الإطار التقني، لكنه يحمل أبعاداً استراتيجية أوسع تتعلق بإعادة تعريف علاقة طهران بالنظام الدولي وببيئة الأمن الإقليمي. ورغم أن التركيز الحالي منصبّ على مستويات التخصيب وآليات الرقابة، فإن الموقف الأمريكي يربط أي تسوية نووية بملفات أخرى تشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي. وعليه، فإن أي اتفاق محتمل سيكون هشاً ما لم تُعالج فجوة الثقة البنيوية بين الطرفين.
أولاً: الإطار العام للأزمة النووية
منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، دخلت الأزمة مرحلة إعادة تشكيل موازين الردع. المفاوضات الحالية لا تمثل تسوية نهائية بقدر ما تشكل مرحلة اختبار نوايا. فالمطالب المطروحة تتضمن: تحديد جدول زمني واضح لخفض نسب التخصيب؛ نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة مثل روسيا؛ إنشاء منظومة رقابة دولية موسعة بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه الشروط تعكس تحوّل المقاربة الغربية من سياسة احتواء البرنامج إلى سياسة تقليص قدراته.
ثانياً: حدود التفاهم التقني
المؤشرات المتداولة تفيد بأن طهران قد تقبل نظرياً العودة إلى مستوى تخصيب منخفض (نحو 3.67%) للأغراض الطبية والعلمية، وهو المستوى الذي كان معتمداً في اتفاق 2015. إلا أن القبول مشروط برفع العقوبات أولاً، وهو مطلب يصطدم بتعقيدات قانونية وسياسية داخل المؤسسات الأمريكية. إشكالية الثقة هنا جوهرية؛ فالغرب يرى أن أي تعطيل للمراقبة التقنية يمثل مؤشراً على نية استئناف التصعيد، بينما تعتبر إيران أن الضمانات الاقتصادية يجب أن تسبق الالتزامات النووية.
ثالثاً: الترابط بين النووي والسلوك الإقليمي
الإدارة الأمريكية لا تفصل بين الملف النووي والسياسات الإقليمية. فالتقدير السائد في واشنطن أن النفوذ الإيراني تراجع نسبياً في ساحات مثل العراق وغزة ولبنان وسورية واليمن، إلا أن واشنطن ترى أن طهران لا تزال قادرة على توظيف شبكات حلفائها كورقة تفاوضية. وقد عبّر بعض صناع القرار الأمريكيين، مثل ماركو روبيو، عن ضرورة تقليص التأثير الإيراني داخل مؤسسات الدولة العراقية باعتباره جزءاً من أي تسوية شاملة.
رابعاً: البعد الأيديولوجي للنزاع
يتجاوز الخلاف حدود التقنية النووية إلى اختلاف في تصور طبيعة النظام الدولي. فالمقاربة الغربية تقوم على قواعد سيادة الدولة والقانون الدولي، بينما ترى طهران نفسها فاعلاً حضارياً يحمل مشروعاً سياسياً يتجاوز الحدود القومية. هذه الفجوة المفاهيمية تجعل الاتفاقات التقنية عرضة للانهيار لأنها لا تعالج جذور التباين في الرؤية.
خامساً: سيناريوهات ما بعد الاتفاق
حتى في حال التوصل إلى تفاهم نووي، من المرجح أن تنتقل الضغوط الغربية إلى ملفات أخرى: برنامج الصواريخ الباليستية؛ شبكات الحلفاء الإقليميين؛ بنية النظام السياسي الراديكالي الثيوقراطي لولاية الفقيه الذي يضع نفسه في مواجهة جهادية مع النظام الدولي لتأسيس دولة العدل والقانون الإلهي طبقا للصفحة الخامسة من دستور الجمهورية الإسلامية. وقد سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن لمح إلى أن الهدف النهائي لا يقتصر على تعديل السلوك، بل قد يشمل تغيير طبيعة النظام. وهذا الطرح يعكس توجهاً داخل بعض الدوائر الاستراتيجية يرى أن الاتفاقات الجزئية لا تحقق الاستقرار طويل المدى.
سادساً: خيار القوة وحدوده
السيناريو العسكري يظل احتمالاً قائماً لكنه غير مرجح كخيار أول. التقديرات الاستراتيجية تشير إلى أن أي عمل عسكري — إن حدث — سيكون محدوداً ومركزاً على أهداف نوعية مثل منشآت أو قيادات، بهدف إضعاف القدرات دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا النمط من العمليات يندرج ضمن استراتيجية “الضغط دون الانفجار”.
سابعاً: تقييم استراتيجي شامل
يمكن تلخيص طبيعة الأزمة في ثلاث حقائق رئيسية: التفاوض الحالي تقني في ظاهره لكنه سياسي في جوهره؛ الخلاف بنيوي لا مرحلي، مرتبط بتصورات متعارضة للنظام الدولي؛ أي اتفاق لا يتضمن ترتيبات أمنية إقليمية موازية سيظل مؤقتاً.
الخلاصة
الملف النووي الإيراني لم يعد مجرد نزاع حول أجهزة طرد مركزي أو نسب تخصيب، بل أصبح ساحة اختبار لإعادة صياغة ميزان القوى في الشرق الأوسط ولتحديد موقع إيران داخل النظام الدولي. وبينما تواصل الدبلوماسية مسارها، يبقى مستقبل الأزمة رهناً بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الخلاف إلى تسويته جذرياً. وحتى يتحقق ذلك، ستظل المنطقة تعيش في حالة “تفاوض تحت الضغط”.

