المفاوضات الأميركية – الإيرانية: بين إدارة الأزمة وخيار الحسم الاستراتيجي
26/02/2026 01:25
د. غازي فيصل حسين
ملخص تنفيذي
تشكل الجولة الأخيرة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران محطة مفصلية في مسار طويل من التوتر النووي والإقليمي. ورغم الخطاب الإيراني الذي يؤكد عدم السعي لتطوير سلاح نووي، تستند المخاوف الأميركية إلى معطيات تقنية تتعلق بمستويات التخصيب، ومخزون اليورانيوم عالي النقاء، إضافة إلى فجوة الثقة المرتبطة بسلوك طهران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي.
تواجه واشنطن خيارين استراتيجيين: اتفاق مرحلي صارم يجمّد عناصر الخطر النووي، أو تصعيد تدريجي قد ينتهي بضربة عسكرية محدودة. في المقابل، تسعى طهران إلى رفع العقوبات مع الحفاظ على جوهر برنامجها النووي كأداة ردع تفاوضية. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح الاستقرار الإقليمي في المرحلة المقبلة.
أولاً: السياق العام للمفاوضات
تأتي الجولة الحالية في ظل ثلاث متغيرات رئيسية: تصاعد المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مستوى يقترب تقنياً من العتبة العسكرية (90%)؛ استمرار الخلافات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن آليات الرقابة والشفافية؛ ضغوط إسرائيلية متزايدة تدفع باتجاه منع أي اتفاق لا يتضمن تفكيكاً جوهرياً للقدرات الإيرانية. إيران تؤكد أن برنامجها لأغراض سلمية، وتستند إلى حقها السيادي في التخصيب. غير أن المسألة لم تعد تقنية بحتة، بل تحولت إلى معضلة ثقة استراتيجية.
ثانياً: جوهر الخلاف – من النووي إلى الإقليمي
لم تعد واشنطن تنظر إلى الملف النووي بمعزل عن سياق أوسع يشمل: برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى؛ الطائرات المسيّرة وتكنولوجيا الحرب غير المتكافئة؛ أدوار إيران الإقليمية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. الطرح الأميركي يتجه نحو اتفاق شامل يربط بين النووي والسلوك الإقليمي. أما طهران فترفض توسيع نطاق التفاوض، معتبرة أن ذلك يتجاوز التفاهمات النووية التقليدية.
ثالثاً: معضلة الثقة والاختراق النووي
المعضلة الأساسية ليست في إعلان إيران نواياها، بل في قدرة النظام على تنفيذ التزامات طويلة الأمد.
امتلاك كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يمنح طهران ما يُعرف بـ«قدرة الاختراق السريع»، أي إمكانية رفع مستوى التخصيب إلى الدرجة العسكرية خلال فترة قصيرة نسبياً إذا اتُخذ القرار السياسي. من هنا، تتمسك واشنطن بثلاثة شروط تقنية أساسية: خفض نسبة التخصيب؛ تقليص المخزون أو نقله إلى دولة ثالثة؛ استعادة الرقابة الكاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
رابعاً: الخيار العسكري وحدوده
الحشود البحرية والجوية الأميركية في المنطقة تعكس سياسة «الردع بالقوة»، لكنها لا تعني بالضرورة قراراً بالحرب. أي ضربة عسكرية ستواجه تعقيدات عدة: رد إيراني عبر الوكلاء الإقليميين؛ تهديد الملاحة في الخليج؛ احتمالية توسع الصراع ليشمل أطرافاً دولية. لذلك، يبقى الخيار العسكري أداة ضغط أكثر منه مساراً مفضلاً، إلا في حال اقتراب إيران فعلياً من تصنيع سلاح نووي.
خامساً: الداخل الإيراني بين التفاؤل والقيود البنيوية
يبدي الرئيس الإيراني خطاباً متفائلاً حول فرص الاتفاق، مدفوعاً بالضغوط الاقتصادية الداخلية الناتجة عن العقوبات: التضخم، البطالة، تراجع العملة، والاحتقان الاجتماعي. غير أن القرار الاستراتيجي في إيران لا يصدر عن الحكومة التنفيذية وحدها، بل يرتبط بالمؤسسة العليا للنظام. وهذا يعني أن أي تنازل جوهري يتطلب توافقاً داخلياً عميقاً، وليس مجرد مرونة خطابية.
سادساً: السيناريوهات المحتملة
1. اتفاق مرحلي محدود
تجميد التخصيب عند نسبة منخفضة؛ تقليص المخزون عالي النقاء؛ رفع تدريجي ومدروس للعقوبات؛ هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً لتجنب الحرب.
2. استمرار المراوحة والتصعيد المتبادل
عقوبات إضافية؛ عمليات سيبرانية أو ضربات غير معلنة؛ بقاء التوتر عند مستوى «اللا حرب واللا سلم».
3. ضربة عسكرية محدودة
تستهدف منشآت نووية حساسة؛ تهدف إلى إعادة البرنامج سنوات إلى الوراء؛ لكنها تحمل خطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
سابعاً: التقدير الاستراتيجي
الولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى منع سلاح نووي إيراني، بل إلى إعادة تشكيل سلوك إيران الإقليمي. في المقابل، ترى طهران في برنامجها النووي ورقة ردع استراتيجية تعزز موقعها التفاوضي. السيناريو الأقرب يتمثل في اتفاق تقني مرحلي، لا يرقى إلى تسوية شاملة، لكنه يمنع الانفجار الكبير. غير أن هشاشة الثقة ستبقى قائمة، ما يجعل أي تفاهم عرضة للاهتزاز عند أول اختبار سياسي أو أمني.
خاتمة
المفاوضات الحالية ليست مجرد نقاش حول نسب التخصيب، بل مواجهة بين رؤيتين لموازين القوة في الشرق الأوسط. هي معركة إرادات بغطاء دبلوماسي، حيث تُستخدم العقوبات والحشود العسكرية كأدوات تفاوض موازية. المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية مرحلية قابلة للاحتواء، أم نحو تصعيد يعيد رسم خرائط الردع بالقوة.

