الموقف الأميركي من ترشيح المالكي: بين إدارة النفوذ وإعادة هندسة التوازنات في العراق
26/02/2026 09:04
( بقلم : د. غازي فيصل حسين )
الملخّص التنفيذي
يعكس الموقف الأميركي الرافض لترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق ظاهرة سياسية مركّبة تتجاوز شخص المرشح إلى طبيعة النظام السياسي العراقي وشبكة علاقاته الإقليمية والدولية. تشير المعطيات إلى أن واشنطن لا تتعامل مع الملف باعتباره خلافاً دبلوماسياً عابراً، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى ضبط توازن القوى داخل العراق ومنع تعاظم نفوذ القوى المرتبطة بـإيران. وتُظهر السيناريوهات المحتملة أن أدوات الضغط الأميركية قد تشمل مجالات الأمن والاقتصاد والدبلوماسية، ما يضع العراق أمام اختبار سيادي معقّد يتطلب إدارة دقيقة للعلاقات الدولية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
- أولاً: الإطار الاستراتيجي للموقف الأميركي
ترى الولايات المتحدة أن العراق يشكّل نقطة ارتكاز جيوسياسية في معادلة الشرق الأوسط، نظراً لموقعه الجغرافي وثرواته النفطية وتركيبته الاجتماعية والسياسية. لذلك فإن أي تحوّل في قيادة السلطة التنفيذية يُقاس أميركياً بمدى تأثيره على ثلاث ملفات رئيسية: توازن النفوذ مع إيران؛ مستقبل الفصائل المسلحة غير النظامية؛ استقرار البنية المؤسسية للدولة العراقية. من هذا المنظور، لا يُقرأ التحفظ الأميركي على ترشيح المالكي باعتباره موقفاً شخصياً، بل باعتباره مؤشراً على رؤية أعمق تتعلق بنمط الحكم المتوقع واتجاهاته الاستراتيجية.
- ثانياً: البعد الأمني في الحسابات الأميركية
تستند واشنطن في تقييمها إلى سجل أمني وسياسي تعتبره دليلاً على مخاطر تصاعد نفوذ الفصائل المرتبطة بطهران، وخصوصاً تلك التي يُعتقد أن بعضها على صلة بـفيلق القدس. بالنسبة لصانع القرار الأميركي، لا يُنظر إلى هذه التشكيلات بوصفها فاعلين سياسيين فقط، بل كجهات قد تمثّل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية، خاصة في ظل حوادث سابقة شملت هجمات صاروخية أو استهدافات لمقار دبلوماسية. هذا الإدراك الأمني يجعل الموقف الأميركي أقرب إلى سياسة الاحتواء الاستباقي، أي منع وصول شخصيات يُعتقد أنها قد تفتح المجال أمام نفوذ أمني موازٍ داخل مؤسسات الدولة.
- ثالثاً: الانقسام داخل الإطار التنسيقي وتأثيره على الحكم
لا يشكّل الإطار التنسيقي كتلة سياسية متجانسة، بل هو تحالف متعدد الاتجاهات يضم تيارات متفاوتة في رؤيتها للدولة والعلاقة مع الخارج. بعض هذه التيارات يلتزم بخط المرجعية الدينية في النجف بقيادة علي السيستاني، بينما تميل أطراف أخرى إلى مقاربات أكثر قرباً من الرؤية الإيرانية. هذا التباين يخلق إشكالية بنيوية: فكلما تعمّق الانقسام الداخلي، ضعفت قدرة الحكومة المقبلة على اتخاذ قرارات استراتيجية؛ وكلما ضعفت الحكومة، ازدادت قابلية النظام السياسي للتأثر بالضغوط الخارجية؛ بالتالي، فإن موقف واشنطن لا يهدف فقط إلى التأثير على اختيار رئيس الوزراء، بل إلى إعادة تشكيل معادلة القوة داخل التحالفات الشيعية نفسها.
- رابعاً: أدوات الضغط الأميركية المحتملة
1. الأداة الأمنية
يعتمد العراق بدرجة كبيرة على الدعم العسكري الأميركي في مجالات التدريب والصيانة والاستخبارات. أي تقليص لهذا التعاون قد يؤدي إلى إضعاف القدرات الدفاعية، خصوصاً في ما يتعلق بالطيران وأنظمة التسليح المتقدمة.
2. الأداة المالية
تمرّ عائدات النفط العراقية عبر النظام المالي العالمي المرتبط بالمؤسسات الأميركية. لذلك فإن فرض قيود مالية أو مصرفية يمكن أن ينعكس سريعاً على قدرة الدولة على تمويل الموازنة ودفع الرواتب.
3. الأداة الدبلوماسية
خفض التمثيل الدبلوماسي أو تجميد الاتفاقيات الثنائية يُعدّ إشارة سياسية قوية قد تُستخدم لرفع مستوى الضغط دون الوصول إلى صدام مباشر.
- خامساً: السياق الإقليمي وتأثيره على القرار الأميركي
تتأثر السياسة الأميركية تجاه العراق بتصور أشمل للشرق الأوسط عبّر عنه مسؤولون أميركيون، من بينهم Marco Rubio وDonald Trump، يقوم على فكرة الحد من نفوذ إيران الإقليمي. وينعكس هذا التوجه على ملفات متعددة، منها: دور حزب الله في لبنان؛ نفوذ الحوثيون في اليمن؛ وضع الفصائل المسلحة في العراق. في هذا الإطار، يصبح تشكيل الحكومة العراقية جزءاً من لوحة إقليمية أوسع، وليس مجرد مسألة داخلية.
- سادساً: إشكالية السيادة بين الضغوط الخارجية والتوازنات الداخلية
الجدل الدائر داخل العراق حول الموقف الأميركي ينقسم إلى اتجاهين: اتجاه يرى أن الضغوط الخارجية تمثّل تدخلاً في القرار الوطني؛ واتجاه يعتبر أن هذه الضغوط انعكاس لواقع الترابط الدولي وأنها نتيجة طبيعية لسياسات داخلية سابقة. الحقيقة أن العراق يعيش حالة "سيادة مركّبة"؛ أي أن قراراته الداخلية مرتبطة بشبكة مصالح دولية تجعل الفصل الكامل بين الداخل والخارج أمراً شبه مستحيل في المرحلة الحالية.
- سابعاً: سيناريوهات المستقبل السياسي
يمكن تصور ثلاث مسارات رئيسية:
السيناريو الأول، التسوية التوافقية: اختيار شخصية وسطية لرئاسة الحكومة تحظى بقبول داخلي وخارجي، ما يخفف الضغوط ويعيد التوازن.
السيناريو الثاني، التصعيد المتدرج: الإصرار على ترشيح شخصية مرفوضة أميركياً قد يؤدي إلى عقوبات محدودة تتوسع تدريجياً.
السيناريو الثالث، إعادة تشكيل النظام السياسي: إذا تراكمت الأزمات، قد تتجه القوى الداخلية إلى مراجعة قواعد النظام السياسي نفسه، خصوصاً ما يتعلق بالمحاصصة والسلاح خارج الدولة.
- ثامناً: التحدي البنيوي للدولة العراقية
تكمن المعضلة الأساسية في التناقض بين نموذجين للدولة: نموذج الدولة الوطنية المؤسسية القائمة على القانون؛ نموذج الدولة التوافقية القائمة على موازين القوى الحزبية والفصائلية. استمرار التعايش بين النموذجين يولد حالة عدم استقرار مزمنة، لأن كل قرار استراتيجي يتحول إلى ساحة صراع بين مشروعين متعارضين.
- الخلاصة الاستراتيجية
الموقف الأميركي من ترشيح المالكي ليس حدثاً منفصلاً، بل حلقة في سلسلة صراع نفوذ طويل الأمد على مستقبل العراق السياسي. وهو يعكس ثلاث حقائق مركزية: العراق ما يزال ساحة تفاعل بين مشاريع إقليمية ودولية؛ القرار الحكومي فيه يتأثر بتوازنات خارجية بقدر تأثره بالتحالفات الداخلية؛ أي مشروع إصلاحي حقيقي يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأحزاب والسلاح والاقتصاد. وبذلك، يقف العراق أمام مفترق تاريخي: إما إدارة التوازنات بمهارة استراتيجية تحافظ على السيادة وتمنع العزلة؛ أو الانزلاق إلى مسار تصادمي قد يفرض عليه معادلات خارجية أشد صرامة.

