‏قيمة كل امرئ ما يُحسنه

12/03/2026 09:58

بقلم .. د . ليث شبر

تنقلنا بعض العبارات القصيرة إلى فضاءات واسعة من التفكير حين نقف أمامها طويلًا. فليست كل الكلمات سواء؛ فبعضها يُقال في لحظة عابرة ثم يختفي، وبعضها الآخر يظل نابضًا عبر القرون لأنه يمسّ جوهر الإنسان والمجتمع. ومن هذه الكلمات المضيئة ما قاله الإمام علي:

«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنه».

عبارة وجيزة في مبناها، عميقة في معناها، تكاد تختصر فلسفة كاملة في بناء الإنسان والدولة معًا. فهي لا تقدّم توصية أخلاقية عابرة، بل تضع معيارًا حضاريًا لقياس القيمة الإنسانية. وحين يتأمل المرء هذه العبارة ( التي وقف أمامها المفكر المعتزلي الجاحظ قبل قرون مدهوشا بما تحمله من معان سامية وقيم عظيمة ) يدرك أنها تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وقدرته، وبين المجتمع وطاقاته، وبين الدولة ومصدر قوتها الحقيقي.

القيمة هنا لا تُستمد من الاسم ولا من الموقع، بل من الإحسان؛ ومن القدرة على الإتقان، ومن الموهبة حين تتحول إلى أثر في الحياة العامة. والإحسان في هذا السياق ليس مجرد مهارة تقنية، بل حالة من الانسجام بين ما يملكه الإنسان من استعداد داخلي وما يقدمه من عمل نافع. وهكذا تصبح القيمة نتيجة طبيعية لما يُحسن الإنسان صنعه، ويغدو المجتمع مرآة حقيقية لمجموع ما يحسنه أفراده.

هذه الفكرة تفتح بابًا واسعًا لفهم الدولة الحديثة في معناها الأعمق. فالدولة التي تنشد النهوض لا تقيس الناس بما يملكون من ألقاب، بل بما يملكون من قدرات. وحين يتقدم الإحسان معيارًا للتقدير، تتغير بنية المجتمع نفسها؛ فالمواهب تظهر إلى السطح، والطاقات تجد مسارها الطبيعي، ويتحول العمل إلى لغة مشتركة بين الأفراد والمؤسسات.

هنا يلتقي هذا المعنى مع فكرة الدولة الذكية التي تقوم على استثمار العقول والمهارات لا على استهلاكها. فالدولة التي تريد أن تكون سيادية وقادرة على إدارة زمنها تحتاج قبل كل شيء إلى أن تكتشف ما يحسنه أبناؤها. المعرفة، والإبداع، والقدرة على الابتكار، كلها مصادر قوة لا تقل شأنًا عن الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي. وحين تُبنى السياسات العامة على هذا الإدراك، يتحول المجتمع إلى منظومة إنتاج متكاملة، يعمل فيها كل فرد في المجال الذي يتقنه.

من هنا تأتي أهمية التعليم الذكي بوصفه البوابة الأولى لاكتشاف الإحسان الكامن في الإنسان. فالتعليم الذي يكتفي بتلقين المعلومات يعجز عن اكتشاف المواهب، أما التعليم الذي يبحث عن الموهبة ويصقلها فيجعل من المدرسة مختبرًا لبناء المستقبل. في هذا النموذج يصبح دور المؤسسة التعليمية شبيهًا بدور البستاني الذي يعتني بكل شجرة وفق طبيعتها، فيزدهر التنوع وتظهر الثمار.

حين تتبنى الدولة هذا المنهج، يتحول التعليم إلى عملية اكتشاف مستمرة لطاقات المجتمع. الطفل الذي يبرع في العلوم يجد طريقه إلى البحث والابتكار، والموهوب في الفنون يجد فضاءً يعبّر فيه عن حسّه الجمالي، وصاحب القدرة التنظيمية يجد موقعه في الإدارة العامة. وهكذا تتكوّن شبكة من القدرات المتكاملة التي تمنح المجتمع توازنًا واستقرارًا.

إن المبادرة الوطنية للإصلاح تنطلق من هذا الفهم تحديدًا. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان المنتج، الإنسان الذي يُحسن ما يقوم به ويضيف إلى مجتمعه معنى جديدًا. وحين يصبح الإحسان معيارًا عامًا، تتبدل ثقافة المجتمع تدريجيًا؛ فتختفي المقاييس الوهمية التي تضخم المظاهر وتُهمّش الكفاءة، ويبرز معيار جديد قوامه العمل المتقن والمسؤولية الأخلاقية.

في هذا السياق لا تظل عبارة الإمام علي مجرد حكمة أخلاقية، بل تتحول إلى قاعدة لبناء الدولة. المجتمع الذي يعرف قيمة الإحسان يفتح الطريق أمام الكفاءة، والدولة التي تعتمد الكفاءة تتعزز قدرتها على إدارة مواردها وبناء مؤسساتها. وهكذا تتكامل العلاقة بين الإنسان والمجتمع والدولة ضمن منظومة واحدة قوامها العمل المتقن والنية الصادقة.

القيمة الأخلاقية للفرد تنمو حين يدرك أن ما يتقنه هو طريقه الحقيقي إلى الاعتراف الاجتماعي، والقيمة الأخلاقية للمجتمع تتجلى حين يمنح التقدير لمن يُحسن العطاء، أما الدولة فتعكس هذه القيم حين تُصمَّم سياساتها على أساس اكتشاف المواهب ورعايتها. عند هذه النقطة يتشكل التوازن بين الضمير الفردي والنظام العام، ويصبح العمل المشترك مصدر قوة مستمرة.

بهذا المعنى، تظل عبارة الإمام علي نافذة مفتوحة على مستقبل مختلف: مجتمع يعرف أن قيمة الإنسان تتجلى فيما يبدعه ويقدمه، ودولة ذكية تستثمر هذا الإبداع لبناء نهضة متجددة، وإنسان يدرك أن إحسانه ليس مجرد مهارة شخصية، بل لبنة في بناء حضارة كاملة.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026