المنصب مسؤولية ومغرم وليس صفقة ومغنماً

04/06/2026 06:35

( بقلم : د. ليث شبر )

لا أعرف بلداً في العالم يتعامل مع المناصب العامة كما نتعامل معها في العراق. فما إن يُفتح باب التعيين أو الترشيح أو التكليف حتى تبدأ السباقات المحمومة، وتتحرك الهواتف والوساطات والضغوط والصفقات، وكأن الحديث يدور عن غنيمة هبطت من السماء لا عن مسؤولية ستُسأل عنها الذمم أمام القانون والتاريخ والناس. والأشد مرارة أن كثيرين لم يعودوا ينظرون إلى المنصب بوصفه تكليفاً، بل بوصفه فرصة للنفوذ والثراء وتوزيع المكاسب وإرضاء الأتباع والأقارب والشركاء.

لقد ترسخت في العقل السياسي العراقي ثقافة خطيرة مفادها أن المنصب طريق مختصر إلى الجاه والمال، حتى أصبح بعضهم ينفق الأموال للوصول إليه وهو يعلم أنه سيستردها أضعافاً بعد الجلوس على الكرسي. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية؛ لأن من يشتري المنصب لا يأتي ليخدم الناس، بل يأتي ليسترد ما دفعه ويضاعفه. ومن يدخل السلطة بعقل التاجر لا يمكن أن يدير الدولة بعقل المسؤول. ولهذا امتلأت مؤسساتنا عبر السنوات بأشخاص أتقنوا فن الوصول إلى المواقع، لكنهم فشلوا في إدارة تلك المواقع.

والمؤسف أن هذه الثقافة لا تمت إلى قيم الإسلام بصلة، ولا إلى مبادئ الديمقراطية بصلة، ولا إلى أبسط المعايير الإنسانية بصلة. فالرسالات السماوية جعلت الولاية أمانة ثقيلة، وجعلت المسؤولية باباً للمحاسبة لا وسيلة للامتياز. أما الديمقراطية الحقيقية فتنظر إلى المنصب بوصفه عقد خدمة مؤقتاً بين المواطن والمسؤول، لا صك ملكية يمنح صاحبه حق التصرف بمقدرات الدولة كيفما يشاء. وحين تتحول المناصب إلى أسواق للمساومة فإن الدولة كلها تتحول إلى شركة خاسرة يدفع المواطن ثمن فشلها كل يوم.

ولهذا لم يعد مقبولاً أن يبقى الفشل الإداري بلا ثمن، ولا أن يظل المنصب محمياً بالحزب أو الكتلة أو الجهة التي جاءت بصاحبه. فمن يتسلم مسؤولية عامة ثم يهدر المال أو يعطل المشاريع أو يفشل في إدارة مؤسسته يجب أن يتحمل نتائج ذلك بوضوح. إن التساهل مع الفشل الإداري المنهجي لا يقل خطورة عن التساهل مع الفساد المالي، لأن كليهما يبدد عمر الدولة ومواردها وثقة الناس بها.

ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإقرار منظومة متكاملة للمساءلة، تتضمن تشديد العقوبات على من يتولى المسؤولية من دون أن يكون أهلاً لها، وإقرار قانون للمراقبة العامة يتيح متابعة الأداء الحكومي بصورة مستمرة، ووضع معايير مهنية صارمة لتعيين المسؤولين من درجة مدير قسم صعوداً إلى وكلاء الوزارات ورؤساء الهيئات، بعيداً عن المحاصصة والولاءات الشخصية. كما ينبغي أن يجري ذلك بالتعاون الكامل مع هيئة النزاهة، وتفعيل مبدأ "من أين لك هذا؟" بصورة شاملة وعادلة، حتى تتشكل في العراق حكومة إدارية رصينة تستند إلى الكفاءة والنزاهة والإنجاز، ولا تتأثر بتقلبات الخلافات السياسية أو صفقات اللحظة العابرة.

فالمنصب في الدولة ليس مكافأة، وليس جائزة، وليس طريقاً للثراء. المنصب مسؤولية ثقيلة، ومن لا يملك القدرة على حملها فالأجدر به أن يبتعد عنها قبل أن يحمل وزرها أمام الناس والتاريخ.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026