زيارة الزيدي إلى واشنطن.. ما لها وما عليها... وما بعدها

22/07/2026 10:59

بقلم .. د . ليث شبر 


كما وعدتكم قبل يومين ..

بعد كل زيارة لرئيس وزراء عراقي إلى واشنطن ينقسم العراقيون بين من يراها فتحًا سياسيًا، ومن يعدّها رحلة بروتوكولية لا تغيّر شيئًا. والحقيقة أن السياسة لا تُقاس بالتصفيق، ولا بعدد الصور، ولا بطول البيانات المشتركة، وإنما بما تتركه من آثار في بنية الدولة وفي حياة الناس.

ولذلك كنت قد قلت قبل أيام إن زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة بدت، من الناحية الدبلوماسية والإعلامية، أكثر نجاحًا من كثير من الزيارات السابقة. فقد استطاع أن يقدّم العراق بصورة مختلفة، وأن يفتح أبوابًا للحوار مع الإدارة الأمريكية، وأن يبعث برسالة إلى المستثمرين والشركات بأن العراق يريد أن يكون شريكًا لا ساحة صراع.

وهذا أمر ينبغي الاعتراف به، لأن الإنصاف جزء من الوطنية، ولأن النقد يفقد قيمته إذا عجز عن رؤية ما تحقق.

لكن السياسة لا تتوقف عند الصور التذكارية، بل تبدأ بعدها وخصوصا أن أمورا جرت خلف الكواليس لم تكن بالمستوى المطلوب كما أن ملفات مهمة لم يتم التطرق إليها مثل السيادة المالية وسيادة الأجواء ورفع الحظر عن الخطوط الجوية العراقية فضلا عن بعض القرارات المتخذة والوعود والتي هي ليست من صلاحيات الحكومة ولا من رئيسها..


لقد تحدث الزيدي عن دولة تحتكر السلاح، وتجذب الاستثمار، وتبني اقتصادًا قويًا، وتريد أن تكون عنصر استقرار في المنطقة. وهذه أهداف يتفق عليها أغلب العراقيين، بيد أن المشكلة ليست في الخطاب، وإنما في البيئة السياسية التي تحكم العراق منذ أكثر من عقدين.

فلا يمكن بناء دولة قوية بينما توجد قوى مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج المؤسسة العسكرية، ولا يمكن جذب الاستثمارات الكبرى في ظل اقتصاد يعاني من البيروقراطية والفساد وضعف القضاء وتعدد مراكز القرار، ولا يمكن إقناع العالم بأن العراق سيد نفسه إذا بقيت العواصم الخارجية قادرة على التأثير في تشكيل الحكومات أو تعطيل قراراتها.

ومن هنا يبدأ الامتحان الحقيقي للزيارة.

فإن استطاع رئيس الوزراء أن يحول ما قيل في واشنطن إلى قرارات داخل بغداد، فإن الزيارة ستكون محطة تاريخية. أما إذا بقيت الوعود حبيسة البيانات، فإنها ستنضم إلى عشرات الزيارات السابقة التي بدأت بضجيج إعلامي وانتهت بصمت سياسي.

لقد منحت الحملة الأخيرة ضد الفساد الحكومة زخمًا شعبيًا لا يمكن إنكاره، كما منحت هذه الزيارة الحكومة مساحة أوسع للحركة الخارجية. لكن التاريخ يعلمنا أن التأييد الشعبي لا يدوم إذا لم يتحول إلى إصلاحات يشعر بها المواطن في القضاء، والكهرباء، والاقتصاد، والتعليم، والخدمات، والأمن.

لكن السؤال الأكبر:

هل تستطيع الحكومة أن تتحرر من القيود التي جاءت بها إلى السلطة؟

هل يستطيع أن يتحرر من الإطار أو حتى قوى المحاصصة التي جاءت به..

ولا أخفي القارئ أنني كنت قد وجّهت في الأشهر الماضية أكثر من رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإلى مسؤولين أمريكيين، أوضحت فيها أن المشكلة الأساسية في العراق ليست في نقص الدعم الدولي، وإنما في طبيعة المنظومة السياسية التي ما زالت تعيق قيام دولة وطنية كاملة السيادة. وما زلت أعتقد أن أي شراكة عراقية أمريكية، أو عراقية مع أي دولة أخرى، لن تبلغ أهدافها ما لم يسبقها إصلاح داخلي يعيد للدولة قرارها وهيبتها.

إن نجاح الزيارة لا يُقاس بما حدث في واشنطن، بل بما سيحدث بعد العودة منها.

وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.

فـ"ما بعدها" هو المعيار الحقيقي الذي سيحكم على هذه الزيارة. فالأشهر المقبلة ستكشف إن كانت واشنطن قد منحت الحكومة فرصة تاريخية لبناء دولة عراقية كاملة السيادة، أم أنها اكتفت بإرسال رسائل سياسية لن تغيّر شيئًا في موازين القوى داخل العراق.

وسيكون ملف حصر السلاح، وطبيعة العلاقة بين الحكومة والإطار التنسيقي، وحدود النفوذ الإيراني، والمرحلة التي ستلي انتهاء مهمة التحالف الدولي، الامتحان الحقيقي لكل ما قيل في واشنطن. فإذا نجحت الحكومة في تحويل التعهدات إلى قرارات، وانتقلت من إدارة التوازنات إلى فرض سيادة الدولة، فسيتذكر العراقيون هذه الزيارة بوصفها نقطة تحول.

أما إذا بقي السلاح خارج سلطة الدولة، واستمر القرار العراقي أسير التوازنات الداخلية والإقليمية، فإن كل ما جرى في البيت الأبيض سيبقى نجاحًا دبلوماسيًا لا أكثر.

وهنا، في بغداد، لا في واشنطن، ستُكتب النتيجة النهائية لهذه الزيارة. وسيعرف العراقيون إن كانوا قد دخلوا فعلًا مرحلة جديدة في تاريخ دولتهم، أم أنهم عادوا مرة أخرى إلى الحلقة التي طالما استنزفت العراق، حيث تتغير الوجوه، وتبقى المعادلات على حالها.

Follow Us:
All Right Reserved © 2026