الزيدي في فرنسا.. ماذا بعد؟
13/09/2026 08:10
( بقلم : د. ليث شبر )
ما زالت الذاكرة أمامي حينما ذهبنا في زيارة دولة إلى فرنسا قبل أكثر من ستة عشر عاماً بصحبة السيد عادل عبد المهدي، وكان العراق يومها يخرج ببطء من سنوات النار ويبحث عن إعادة وصل نفسه بالعالم، فيما كانت باريس تبحث عن طريق جديد للعودة إلى بغداد.
أتذكر أنني كنت على مائدة واحدة مع رئيس الاستخبارات الخارجية DGSE السيد إيرارد كوربان دي مانغو ، فسألني: كيف يمكن لفرنسا أن تعمل في العراق؟ فقلت له: تحتاجون إلى الصبر؛ فالمحاصصة والبيروقراطية في العراق لا تسمحان للعمل الاقتصادي والتعاون الدولي أن يتحركا بالسرعة التي يتوقعها الأوروبيون.
وللعلم فإن زيارة عبد المهدي إلى باريس عام 2009 كانت جزءاً من مرحلة استعادة العلاقات، والتقى خلالها الرئيس نيكولا ساركوزي وكبار المسؤولين ورجال الأعمال الفرنسيين، وفي العام نفسه أبرم البلدان اتفاقاً واسعاً للتعاون الثقافي والعلمي والتقني والتنمية.
وعلاقة فرنسا بالعراق أقدم بكثير من جمهوريتينا المعاصرتين، وفي أعماقها شيء من الجغرافيا وشيء من النفط وشيء من ذاكرة الإمبراطوريات. ففي خريطة سايكس–بيكو الأصلية عام 1916 وقعت أجزاء من ولاية الموصل ضمن دائرة النفوذ الفرنسي، ثم تغيرت خرائط ما بعد الحرب وأُلحقت الموصل بالعراق الواقع تحت الانتداب البريطاني، وفي تسويات سان ريمو حصلت المصالح الفرنسية مقابل تنازلها عن مطالبها في الموصل على حصة مقدارها 25 في المئة من المصالح النفطية المرتبطة بنفط بلاد الرافدين. ولذلك فإن النفط كان حاضراً منذ البدايات في الحساب الفرنسي للعراق، قبل أن نصل بعقود طويلة إلى توتال وطائرات الميراج والتعاون النووي والعسكري والجامعات والآثار. سايكس–بيكو لم تصنع العلاقة العراقية الفرنسية بصورتها الراهنة، لكنها تركت في قاعها حقيقة جيوسياسية يصعب تجاهلها: العراق بالنسبة إلى باريس لم يكن نقطة بعيدة في المشرق، وإنما عقدة تتصل بالطاقة والخليج وتركيا وسوريا وإيران وطرق التجارة وتوازن الشرق الأوسط كله.
ولهذا عادت فرنسا بعد 2003 بخط مختلف عن الخط الأمريكي. فبينما كانت من أبرز معارضي غزو العراق، تحركت سريعاً بعد استقرار النظام الجديد لاستعادة حضورها، وجاء ساركوزي إلى بغداد سنة 2009 في أول زيارة لرئيس فرنسي إلى العراق بعد الحرب، ثم أخذت العلاقة تبني مؤسساتها خطوة خطوة. وفي كانون الثاني 2023 انتقلت إلى مستوى آخر بتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية في باريس.
زيارة الزيدي اليوم تصل إلى أرض جرى إعدادها سياسياً وقانونياً واقتصادياً منذ سنوات. فرنسا ترى في العراق دولة مركزية في التوازن الإقليمي، وسوقاً يقترب سكانها من خمسين مليوناً، ومصدراً مهماً للطاقة، وفرصة لشركاتها، ومجالاً يسمح لها بأن تصنع لنفسها موطئاً مستقلاً نسبياً عن الثنائية الأمريكية الإيرانية التي استهلكت العراق زمناً طويلاً. والعراق، إذا أحسن إدارة هذه المساحة، يستطيع أن يجعل فرنسا إحدى بواباته الكبرى إلى أوروبا من دون أن يجعلها بوابة بديلة لتبعية جديدة.
والحضور الفرنسي في العراق اليوم أكبر مما تراه العين للوهلة الأولى؛ توتال إنرجي في الطاقة، وشنايدر في الكهرباء، وألستوم وإيرباص وثاليس وCMA CGM في النقل والتقنيات، وفيوليا في البيئة والمياه، ولافارج في مواد البناء، وسانوفي في الصحة، فضلاً عن تعاون أمني وعسكري أخذ يتسع في الدفاع الجوي والطيران والتدريب. وفي 2025 نفذت القوات الجوية العراقية والفرنسية تدريبات مشتركة، ودخلت مروحيات Caracal H225M الفرنسية ضمن القدرات العراقية، وفي آب 2026 نفذت طائرات رافال الفرنسية مهمة مشتركة مع طائرات T-50 العراقية، وكانت تلك أول مرة تطير فيها هذه الطائرات العراقية إلى جانب طائرات أجنبية في هذا النوع من التدريب.
هذه ليست صوراً بروتوكولية؛ إنها شبكة نفوذ ومصالح ومعرفة وتقنيات تتشكل بهدوء، والعراق ينبغي أن يدخل إليها بعقل الدولة التي تتعلم وتنقل التكنولوجيا وتوطن المعرفة، لا بعقل المشتري الذي يوقع العقد ثم ينتظر وصول المعدات.
والأهم عندي هو ما وراء النفط والسلاح. هناك مئة مدرسة تقريباً في العراق تدرّس الفرنسية لغة أجنبية ثانية، وهناك برامج منح دكتوراه مشتركة، وقد خصص البرنامج الفرنسي العراقي عشرين منحة دكتوراه للعام الدراسي 2025–2026، كما نظمت في باريس خلال حزيران 2025 أيام فرنسية عراقية للتعليم العالي والبحث العلمي لتعميق الصلات بين الجامعات. وفي الصحة موّلت الوكالة الفرنسية للتنمية مشروعاً بعشرة ملايين يورو لتشغيل مركز البحث والرعاية الطبية في جامعة الموصل ونقل الخبرة الطبية والعلمية، وللفرنسيين حضور في المياه والتنمية والآثار والتراث أيضاً.
وفي المقابل تبدو بصمتنا العراقية داخل فرنسا أدنى بكثير من الإمكانات؛ فبحسب الخارجية الفرنسية لا يزيد عدد الجالية العراقية المسجلة هناك على نحو 3900 شخص مقابل نحو 300 فرنسي في العراق، وهذه الأرقام، مهما كانت حدود طريقة احتسابها، تكشف أن علاقتنا بفرنسا ما زالت علاقة تستقبل فيها بغداد المعرفة والشركات أكثر مما تصدر إليها جامعاتها وثقافتها وأعمالها ومؤسساتها. لدينا حضارة يتجاوز عمرها سبعة آلاف عام، لكن حضورنا الثقافي والبحثي والاقتصادي في باريس ما زال أصغر كثيراً من وزن العراق نفسه.
ومن هنا أفهم زيارة الزيدي اليوم بطريقة مختلفة. البيان الحكومي يتحدث عن الطاقة والأمن والنقل والتعليم والثقافة ومذكرات تفاهم، وهذه ملفات مهمة، لكن السؤال الذي أضعه أمام رئيس الوزراء
هو:
ماذا بعد التوقيع؟ لدينا من مذكرات التفاهم ما يكفي لملء خزائن الدولة، والمشكلة العراقية القديمة التي تحدثت عنها على المائدة الفرنسية قبل سبعة عشر عاماً ما زالت حاضرة بأشكال أخرى: بطء القرار، تعدد مراكز الموافقة، البيروقراطية، تضارب الصلاحيات، وغياب المؤسسة التي تتعقب المشروع من التوقيع إلى الإنجاز. الأرقام تؤكد أن المساحة الاقتصادية لم تستثمر بعد؛ ففي 2025 بلغت الصادرات الفرنسية إلى العراق، باستثناء المعدات العسكرية، نحو 418 مليون يورو، بينما ظل الميزان يميل بقوة لمصلحة العراق بسبب صادرات النفط، وبلغ العجز التجاري الفرنسي مع العراق نحو 1.2 مليار يورو. أرى هنا فرصة مقلوبة رأساً على عقب: لماذا نبقى نصدر النفط إلى فرنسا ونستورد منها الدواء والتكنولوجيا والمعدات؟ ولماذا لا تكون المرحلة المقبلة استثمارات صناعية فرنسية داخل العراق تنتج للعراقيين وللمنطقة وتحوّل العلاقة من تجارة النفط والبضائع إلى صناعة مشتركة؟
وأقترح أن يعود الزيدي من باريس بما هو أبعد من الاتفاقات: مسار عراقي–فرنسي لعشر سنوات يختار عشرة مشاريع كبرى فقط، وتكون لكل مشروع جهة عراقية واحدة مسؤولة عنه وتوقيت وميزانية ومؤشرات إنجاز. جامعة عراقية فرنسية متقدمة في الذكاء الاصطناعي والهندسة والطاقة، مستشفى تعليمي فرنسي عراقي بمعايير دولية، أكاديمية للأمن السيبراني والدفاع الجوي، شراكة لتحديث السكك والنقل الحضري، مركز أبحاث للمياه والمناخ، برنامج واسع لتدريب المدرسين والباحثين، تعاون في إدارة المدن والآثار والمتاحف، مصانع مشتركة بدلاً من الاستيراد الدائم، وربط الشركات الفرنسية بالقطاع الخاص العراقي لا بعقود الدولة وحدها. ولدينا أساس قانوني قديم لذلك؛ فاتفاق 2009 نفسه نص على التعليم والبحث والكتاب والثقافة والإعلام والآثار والحوكمة والتنمية، ثم جاءت شراكة 2023 لتمنح العلاقة إطاراً استراتيجياً دائماً. الذي ينقصنا في الغالب هو العقل التنفيذي العراقي الذي يحول النص إلى بنية قائمة على الأرض.
الزيدي في فرنسا.. ماذا بعد؟ هذا هو السؤال الأهم. فرنسا تعرف إلى حد بعيد ماذا تريد من العراق: طاقة، سوقاً، شراكات، حضوراً استراتيجياً، ومكاناً في معادلة الشرق الأوسط المقبلة. فهل نعرف نحن ماذا نريد من فرنسا؟ بعد أكثر من ستة عشر عاماً أستعيد جواب ذلك الفرنسي على المائدة ذاتها من جهة أخرى؛ ربما لم تعد فرنسا وحدها هي التي تحتاج إلى الصبر مع العراق، بل العراق يحتاج أن يتوقف عن استهلاك صبر العالم. زيارة ناجحة لا تقاس بعدد اللقاءات ولا بحجم مراسم الاستقبال ولا بعدد مذكرات التفاهم، وإنما بما سنراه بعد سنة وثلاث وخمس سنوات. أريد أن نصل إلى يوم يصبح فيه السؤال الفرنسي مختلفاً: كيف استطاع العراق أن ينجز بهذه السرعة؟ عندها فقط سأقول إن المسافة بين زيارتي القديمة إلى باريس وهذه الزيارة لم تكن سبعة عشر عاماً من الزمن، وإنما سبعة عشر عاماً انتهت أخيراً بولادة طريقة أخرى في إدارة الدولة.

