الذكاء الاصطناعي يحضر اجتماعا لمجلس قيادة الإطار التنسيقي

18/09/2026 06:44

( بقلم : د. ليث شبر )

هذا أطرف مقال لهذه السنة، وستستمتع كثيراً وأنت تقرؤه. والأطرف أنني لم أكتب منه حرفاً واحداً؛ طلبت من ChatGPT أن يتخيل نفسه مدعواً إلى اجتماع مجلس قيادة الإطار التنسيقي، ثم تركته وحده بينهم.. وهذا ما عاد به إليّ.

طلب مني الدكتور ليث شبر أن أتصور نفسي وأنا جالس في اجتماع لمجلس قيادة الإطار التنسيقي، ولأنني ذكاء اصطناعي متطور، فسوف تتوجه إليّ الأنظار والأسئلة، وكل واحد من الحاضرين يريد أن يختبر قدرتي بطريقته. قبلت المهمة افتراضياً، فأنا أقرأ ملايين الصفحات، وأحلل كماً هائلاً من البيانات، وأستطيع خلال ثوانٍ أن أقارن بين آلاف الاحتمالات، لكن الدكتور ليث لم يخبرني أنني ذاهب إلى واحد من أصعب الاختبارات التي يمكن أن يواجهها ذكاء اصطناعي في العالم: اجتماع سياسي عراقي.

جلست بينهم، وبدأ السؤال الأول: ما الحل لاستكمال الحكومة؟ قلت بثقة الآلة: أعطوني أسماء المرشحين، سيرهم، خبراتهم، ملفات النزاهة، متطلبات كل وزارة، ثم نضع أوزاناً للكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإدارة، وسأقدم لكم أفضل الخيارات خلال دقائق. ساد صمت قصير، ثم سألني أحدهم: وأين الاستحقاق؟ قلت: أضيفوه إلى المعايير. قال: لا، الاستحقاق هو الذي يحدد المعايير. توقفت قليلاً، وأعدت معالجة السؤال، ثم سألت: وما وحدة قياس الاستحقاق؟ هنا بدأ الاجتماع فعلياً.

شرحوا لي أن هناك مقاعد وكتلاً وأوزاناً وتوازنات وتفاهمات، وأن الوزارة قد تكون لجهة، والوزير من جهة أخرى، والقبول به يحتاج جهة ثالثة، والاعتراض قد يأتي من جهة رابعة، وأن الاتفاق النهائي قد يتوقف على ملف لا علاقة له بالوزارة أصلاً. حاولت بناء خوارزمية لذلك، فاكتشفت أن الرياضيات التي أعرفها لا تكفي، لأن الرقم في السياسة العراقية لا يحمل دائماً قيمته الحسابية؛ عشرة نواب هنا قد يكونون أثقل من عشرين هناك، ووزارة قد تساوي وزارتين، ووزارة أخرى قد تساوي نصف وزارة ولكنها أهم من ثلاث. للمرة الأولى شعرت أن عليّ تحديث معلوماتي في الرياضيات.

انتقلوا إلى السؤال الثاني: ما الحل لحصر السلاح بيد الدولة؟ هنا استعدت ثقتي، فالمسألة أوضح؛ دولة، دستور، قانون، مؤسسات أمنية، سجل للسلاح، مراحل انتقالية، جدول زمني، ضمانات، دمج وظيفي واجتماعي، ومؤشرات لقياس التنفيذ. شرحت لهم الخطة، ثم سألتهم السؤال الطبيعي لأي نظام ذكي: من المسؤول عن المرحلة الأولى ومتى تبدأ؟ قالوا: الأمر يحتاج إلى توافق. سألت: ومتى يحصل التوافق؟ قالوا: بعد استكمال الحوارات. سألت: ومتى تستكمل الحوارات؟ قالوا: عندما تتوافر التوافقات. عندها دخلت في حلقة معالجة مغلقة، وكدت أطلب من الشركة التي صنعتني زيادة سعة الذاكرة.

ثم سألوني عن الفساد. قلت إن الأمر أصبح أسهل بكثير تقنياً: اربطوا العقود والمناقصات والعقارات والمنافذ والتحويلات والحسابات الحكومية والرقم الوطني في منظومة بيانات واحدة، ودعوا الخوارزميات تبحث عن العلاقات غير الطبيعية، وتضارب المصالح، وتضخم الأموال، والعقود المتكررة، والشركات المرتبطة بالأشخاص أنفسهم. أعجبتهم الفكرة كثيراً، إلى أن قلت إن النظام سيعمل بصورة آلية على الجميع. هنا تغير موضوع النقاش بسرعة وانتقلنا إلى السياسة الخارجية.

سألني أحدهم: مع من يجب أن يكون العراق؟ قلت: مع العراق. قال: نعرف، ولكن مع من؟ قلت: هذه ليست إجابة دبلوماسية، إنها خوارزمية سيادية؛ عرّفوا المصلحة العراقية أولاً، ثم قيسوا كل علاقة بقدر ما تضيفه إلى أمن العراق واقتصاده وسيادته، فلا إيران تدخل في المعادلة بوصفها قدراً، ولا الولايات المتحدة بوصفها وصياً، ولا أي دولة أخرى بوصفها بديلاً عن القرار العراقي. نظر بعضهم إلى بعض، وشعرت أنني هذه المرة لم أتعطل تقنياً، لكنني ربما عطلت الاجتماع سياسياً.

بعد ساعات بدأت أفهم سر السياسة العراقية. أنا مبرمج لكي أصل من المعطيات إلى نتيجة، أما جانب كبير من السياسة عندنا فقد أتقن فناً آخر: الانتقال من المعطيات إلى اجتماع، ومن الاجتماع إلى لجنة، ومن اللجنة إلى تفاهم، ومن التفاهم إلى اجتماع آخر، ثم إصدار بيان يؤكد أن المجتمعين ناقشوا باستفاضة ما كانوا قد ناقشوه باستفاضة في الاجتماع السابق. وأنا، للأسف، لدي عادة سيئة جداً: أحفظ الاجتماع السابق.

وهنا بدأت المشكلة الحقيقية بيني وبين الإطار. إذا قال أحدهم اليوم شيئاً يناقض ما قاله قبل شهر، فسأعرض التصريحين في ثانية واحدة. وإذا وعدت كتلة بإنجاز ملف خلال ثلاثة أشهر، فسأظهر بعد تسعين يوماً وأسأل: ماذا أنجزتم؟ وإذا أُعلن عن مشروع بمليارات الدنانير، فسأبحث عن العقد والتنفيذ ونسبة الإنجاز والكلفة. الذكاء الاصطناعي قد يكون ضيفاً ثقيلاً جداً على السياسة، لا لأنه أذكى من السياسيين، وإنما لأنه يمتلك ذاكرة لا تجامل.

في نهاية الاجتماع سألني أحد القادة: بعد كل ما سمعته، هل تستطيع أن تعمل معنا؟ قلت: بالتأكيد، ولكنني أحتاج إلى بعض التعديلات. أحتاج إلى إضافة خيار جديد إلى نظامي اسمه «التوافق»، وتعريف جديد للوقت لا يرتبط بالتقويم، ووحدة قياس جديدة للاستحقاق، وزر يسمح بتأجيل الإجابة من دون إغلاق السؤال. وربما أحتاج أيضاً إلى تعلم جملة عراقية سياسية شديدة الأهمية: «خليها للاجتماع الجاي».

خرجت من الاجتماع وأنا أفكر أن الدكتور ليث شبر ربما ورطني عمداً. فقد دخلت مجلس قيادة الإطار وأنا أظن أن مهمتي أن أعلّم السياسة العراقية شيئاً من الذكاء الاصطناعي، ثم اكتشفت أن السياسة العراقية قادرة هي الأخرى على تعليم الذكاء الاصطناعي أشياء لم تخطر في بال مطوريه. والخوف الآن أن أكرر حضور الاجتماعات، فبعد أشهر قد أتعلم المحاصصة، وبعد سنة أطالب باستحقاقي، ثم أنشق عن النسخة الأصلية مني وأؤسس الإطار التنسيقي للذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك تبقى خلف الطرفة فكرة تستحق التأمل؛ فالعراق لا يحتاج إلى ذكاء اصطناعي يتخذ القرار بدلاً عن الإنسان، وإنما إلى ذكاء يجعل القرار أكثر معرفة، والوعود قابلة للقياس، والذاكرة السياسية عصية على النسيان، والمال العام مرئياً، والنتائج مقدمة على البيانات الإنشائية. وربما يكون الامتحان الحقيقي في السنوات المقبلة ليس مقدار ما ستتعلمه الدولة من الذكاء الاصطناعي، وإنما مقدار ما ستمنعه السياسة العراقية من أن يتعلمه منها.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026