‏الطب والدين

05/05/2024 09:08

( بقلم : غيث التميمي )

‏واحدة من أهم وظائف رجل الدين في عمر البشرية الطويل، كانت الطب، إلى جانب التعليم والتربية والقضاء وتشريع القوانين الاجتماعية والاقتصادية.

‏تراجع نفوذ رجل الدين مع نمو وتطور المجتمعات ونشأة الدول العلمانية الحديثة، بعد أن تطور التعليم بشكل مهول في مجالات عديدة. كانت الفلسفة والطب بوابة التحرر من سلطة رجال الدين. تطورت الرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة وتحررت جميع العلوم بصورة كاملة ومطلقة من رأي رجل الدين. بل أصبح الدين موضوعا تدرسه العلوم الإنسانية، مثل جميع الموضوعات التي تخضع بصورة مطلقة لمناهج ومعايير البحث العلمي.

‏لكن هذا لا يعني ان الحكاية مع سلطة رجل الدين انتهت وحسمت، إذ ان حضور وتأثير الدين في حياة الإنسان، كبير جدا وليس من المعقول والطبيعي، استئصال الدين من حياة الإنسان، لان العلم يعتقد، بأن الدين من اعظم ثروات البشر الطبيعية وهو رأس مال لا ينضب، في اي مجتمع ويمنح الانسان، زخما نفسيا وثقافيا فريدا وهو احد اهم مكونات الجماعة الاجتماعية.

‏الدين من منظور علمي، عبارة عن كنز ثقافي واستثماري كبير جدا. وهو ضروري ومقدس، بوصفه إرثاً، مثل متاحف الآثار والمكتبات العامة والشوارع والانهار والحدائق والمدن. 

‏إنه روح تمنح هذا العالم ثراء بالمعنى، منتج للأدب والسينما والمسرح والفن ويجلب السياح وينوع مصادر الدخل والأمن القومي.

‏وهنا نشهد صراع رجل الدين، ضد الحداثة والقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة وغيرها، صراعه مع الداروينية وكروية الأرض وحق التعليم مستمرة ولكنه في هذه المرة، في ميدان صراع الحقوق المدنية والجنس والنظام الغذائي والثقافة والفنون. 

‏ولا يزال رجل الدين يحرم أصنافاً من الطعام والعلاج ويوجه تعليمات تفرض تحركات جماعية مثل الصوم والحج ويصدر قرارات وفتاوى تؤثر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للشعوب. 

‏لكن إذا ما أخذنا الفاتيكان كنموذج لأعظم وأضخم مؤسسة دينية، لعبت دورا كبيرا في حياة الشعوب، فان بابا الفاتيكان وصل إلى مرحلة متقدمة من ترويض الدين وتقليم مخالبه وأنيابه ودمجه في الحياة العصرية، بصورة آمنة ومحببة ومقبولة وصحية.

‏قدم المفكر والمثقف العراقي البريطاني الاستاذ سلام سرحان مبادرة لوضع قواعد عالمية دقيقة وشاملة، في إطار معاهدة دولية لحظر كل أشكال الاستغلال السياسي للدين. 

‏وهي مبادرة تستحق، أن تكون منطلقا لتجديد القانون الدولي الإنساني وتطويره، بحيث نضمن ان تكون البشرية في القرن القادم، اكثر قدرة على العيش المشترك واحترام الحريات الدينية، بعيدا عن استغلالها وتوظيفها لاهداف ومصالح، سياسية واقتصادية، تهدم المبادئ والثوابت، التي حرصت عليها رسالة جميع الديانات في العالم وهي الوئام والمحبة والسلام والتعاون والتضامن والنقاء والعدالة والصلاح.

‏هذه المبادرة حظيت بتأييد متسارع في كل انحاء العالم. ودخلت على الاجندة الدولية بمشروع قرار لدعمها من قبل مجلس أوروبا وحوار رسمي متقدم مع عشرات الحكومات. وهي تبدو حاجة ملحة، ليس للعالم العربي والإسلامي فحسب، بل أيضا لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والصين والهند وأفريقيا وآسيا.

‏وهي في طريقها إلى ان تصبح معاهدة دولية شاملة وملزمة، لجميع الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم وجود دول كبرى، مستفيدة من استخدام الدين واستغلاله في ادارة حروب وصراعات باتت معروفة ومفهومة.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026