المولد النبوي الشريف
15/09/2024 11:06
( بقلم : غيث التميمي )
تعد مناسبة المولد النبوي الشريف من المناسبات التي تبعث البهجة والأمل في نفوس المسلمين، وتحتل مكانة خاصة في العراق، حيث تحظى باهتمام واسع يشمل جميع مدنه وقصباته، بما فيها المدن والقرى التي تضم مجتمعات سريانية، كلدانية، إيزيدية، يهودية، مندائية وغيرها. يعود هذا التنوع إلى طبيعة العراقيين في مشاركة بعضهم البعض في الأفراح والأحزان الكبرى، فكما يحتفلون سنويًا بميلاد السيد المسيح، فإنهم يحيون المناسبات الدينية والاجتماعية والثقافية العامة بروح واحدة.
يتميز المولد النبوي بما يحمله من معانٍ إنسانية، تربوية، وأخلاقية، تعزز الثقة بالنفس والإيمان بالله وحكمة الحياة. فقد وُلد النبي الكريم يتيمًا بعيدًا عن قومه، وعاش حياته غريبا، حتى وفاته حيث دُفن بعيدًا عن مكة.
أمه من قبيلة، ومرضعته من أخرى، وأهله وعشيرته من قبيلة ثالثة. عاش طفولته في ظل ظروف أسرية مضطربة، بفقدانه لوالده وعودة أمه إلى أهلها، مما أدى إلى أن يكفله عمه الشريف أبو طالب، الذي كان سيدًا في قومه وأحد زعماء قريش.
رافق الاغتراب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ مولده وحتى وفاته، لكنه استطاع بفضل إيمانه الراسخ بالله ويقينه بصلاح دعوته أن يُحدث فارقًا عظيمًا في تاريخ العرب وشعوب المنطقة والعالم.
لاهوتيًا، لم يأت النبي بشيء جديد من حيث العقيدة التوحيدية الحنفية الإبراهيمية، لكنه رسخ حضور العرب كجزء فاعل من قصة إبراهيم التوحيدية، إلى جانب أهل الكتاب من اليهود الآراميين والمسيحيين السريان. فقد أكمل النبي جزءًا أساسيًا من تلك القصة التي كانت سارة وهاجر وإسماعيل وإسحاق محورها الأساسي.
لكن البعد الإنساني في حياة "محمد اليتيم" تجلى في وفائه العميق لمربيته “فاطمة بنت أسد”، زوجة عمه أبي طالب. أطلق اسم “فاطمة” على ابنته الزهراء تقديرًا لهذه المرأة الفاضلة. كما ربى علي بن أبي طالب في بيته وبيت زوجته القريشية الكريمة خديجة، في لفتة تعبر عن الوفاء الإنساني العميق. كما جمع النبي في بيته بين الأخلاق الإنسانية والإخلاص النبوي، وزوّج ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب، في صورة تجسد الكمال في الوفاء والإخلاص.
كان النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) مشهودًا له بالأمانة والصدق قبل الإسلام، وقد حمل هذه الصفات في قلبه طوال حياته. واليوم، من الجميل أن نستحضر تلك المعاني السامية والقيم التربوية والاجتماعية التي حملها الأنبياء والعظماء الخالدون في مسيرتهم. ولا شك أن محمدًا يمثل واحدة من أعظم قصص النبوة التي تركت أثرًا عميقًا في تاريخ البشرية.

