رحيم أبو رغيف.. ‏رجل دين أم مثقف أم أكاديمي!

15/09/2024 11:09

( بقلم : غيث التميمي )

‏استمعت أثناء سفري مع سيديّن هاشمييّن مهندسيّن من الناصرية إلى مقابلة السيد رحيم أبو رغيف مع الإعلامي أحمد البشير. تطرقت المقابلة إلى قضايا جدلية مثيرة للنقاش، وقد أبدع السيد أبو رغيف في تقديم رؤى إيجابية حول تنامي الوعي بالمواطنة بين فئات مؤثرة في المجتمع، مما يسهم في تشكيل الرأي العام.

‏تعامل السيد أبو رغيف بأسلوب فريد مع عدد كبير من “المفاهيم المفخخة” دون الاضطرار إلى تفجيرها أو تفكيكها، فيما تجنب الإعلامي أحمد البشير إثارة الأسئلة الملغومة والمحرجة. كانت المادة الإعلامية، بلا شك، مفيدة لمخاطبة الجمهور العام ضمن إطار خطاب متوازن، آمن، وحذر.

‏ورغم ما يبدو من فائدة هذا النوع من الخطاب، فإنه لا يمنح المترددين الأدوات اللازمة لاتخاذ قرارات صعبة ومسؤولة.
‏ظهر السيد أبو رغيف مثل متحدث دبلوماسي أممي يسعى لطمأنة الجمهور بأن الأوضاع في  غزة تحت السيطرة. هذا الخطاب، في حقيقته، قد يؤدي إلى إدامة الصراع؛ لأنه يعطل الكتلة الاجتماعية الأكبر عن تحمل مسؤولياتها واتخاذ مواقف واضحة تجاه القضايا المصيرية.

‏السؤال الحاسم

‏السؤال الأهم الذي كان يمكن أن يُطرح هو: “هل يتحدث السيد أبو رغيف كرجل دين، أم كمثقف، أم كأكاديمي؟”
‏لفهم أهمية هذا السؤال، نتخيل أمامنا ثلاثة كراسي لحكام: الأول لرجل دين فقيه، الثاني لمثقف عضوي حقيقي، والثالث لأكاديمي رصين. لو طُلب من كل منهم تقييم الحوار من منظور اختصاصه، لوجدنا أن تقييم رجل الدين للحوار سيكون أقل من المتوسط، وكذلك سيكون تقييم الأكاديمي والمثقف.

‏الخطاب التوافقي قد يرضي العامة لأنه يقدم أجوبة سهلة ومريحة ويجنبهم عناء التفكير العميق والبحث المستفيض. لكنه لا يصمد أمام المتخصصين المحافظين الذين يعتمدون على مناهج دقيقة ومعقدة.

‏تأثير خطاب الأصوليين والمثقفين

‏خطاب الأصوليين غالبًا ما يكون أكثر تأثيرًا وإقناعًا، لأن رجل الدين المحافظ يتحدث بيقين مستند إلى نصوص صريحة وتراث ثابت، مما لا يترك مجالاً لتقديم قناعات أو تصورات مرنة في مواجهة هذا التراث الراسخ. هذا لا يختلف كثيرًا بالنسبة للمثقف أو الأكاديمي؛ فكلاهما يستند إلى مرجعيات ومناهج واضحة لا تتسامح مع الغموض أو الاشتغال في المنطقة الرمادية.

‏على سبيل المثال، فإن تقديم مقاربة تجمع بين العلمانية والدينية دون الاعتراف بوضوح بإن جوهر العلمانية يهدف الى انهاء سلطة الدين في المجال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، ومحاولة تحديد دور الدين ضمن إطار الرؤية البشرية، هذا التسطيح لا يعدو سوى تأجيل لمواجهة حتمية.

‏بالمقابل، فإن أي قراءة دينية أصيلة تستند إلى اليقين والقطع تتطلب من الإنسان التخلي عن مصالحه وقناعاته الشخصية والتنكر للحقائق العلمية المثبتة والخضوع التام لحكمة الله التي يعبر عنها رجال الدين.

‏مستقبل الخطاب الإصلاحي

‏الخطاب الإصلاحي “العائم”، الذي يتجنب الحسم، يبقى منطقة رمادية يجتمع فيها المترددون والأغلبية الصامتة، وهي كتلة تعيق التغيير الفعلي ولا تساهم في اتخاذ مواقف حاسمة ومسؤولة. بينما يبقى نقاش مع المرجعيات المحافظة أكثر إنتاجية وتأثيرًا، وقدرة على تحقيق الأهداف المنشودة.

‏أثمن الدور التنويري والأخلاقي الذي يلعبه سماحة السيد رحيم أبو رغيف، وأقدر التأثير النوعي لبرنامج “البشير شو”، إلا أنني أحذر في الوقت نفسه من الاستمرار في تغذية الكتلة المترددة بأوهام الاعتدال والمدنية التي لا تنتج سوى تغييب أصواتهم المؤثرة في إحداث تغيير حقيقي وفعال في أي مجتمع.
 

Follow Us:
All Right Reserved © 2026